هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


تأصيل ثقافة الحوار الحر
تاريخ الاضافة 
 

 

                                    تأصيل ثقافة الحوار الحر

              "رأيي صواب يحتمل الخطا ... ورأيك خطأ يحتمل الصواب" 

ان من اكبر الآفات التي افرزتها انظمة الأستبداد في عالمنا العربي من المحيط الى الخليج  والتي يجب التخلص منها تمهيدا للنهضة هي ثقافة ألأستبداد التي لم تترك زاوية من زوايا مجتمعاتنا الا ولوثتها وافسدت بذلك صفاء النفوس وعطلت اداء العقول وشوشت اجهزة السمع والبصرفجعلت هذه الأمة في حالة من الفوضى والتناحر والضعف والتبعية التي هي اشبه بغرفة كالحة الظلام مغلقة الأبواب سيئة الروائح خربة الجدران واذا ذكرت هذه الأمة في المحافل الدولية كانت مثال للجهل والظلم والعنف وكافة مظاهر التخلف ، وهي الأمة التي اختارها الله لتكون خير امة اخرجت للناس وقد كانت كذلك في مرحلة سابقة حتى تخلت عن شروط الخيرية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأيمان الصادق الذي وقر في الصدر وصدقه العمل . لذلك رأينا هذا الشهران نتوقف عند بعض من مظاهر ثقافة ألأستبداد التي ينبغي علينا فهمها وادارك انعكاساتها على نهضتنا ومحاولة التخلص منها تمهيدا لبناء صرح امة شامخة . ان امتنا كما ذكرنا تعاني من الأستبداد على كل مستوى ويصعب الحكم بصورة قطعية على ما اذا كان الأستبداد ينتقل من الحكم الى بقية مؤسسات المجتمع ام انه يبدأ من الأسرة فينتقل الى الحكم والأقتصاد والتربية وغيرها ، الا ان الذي نعرفه ان هناك تاثير متبادل بين الروافد المختلفة للأستبداد وحتى لا نستغرق في الحديث المجرد راينا ان نتوقف هذا الشهرعند أحد الثمرات المرة للأستبداد الذي حل بهذه الأمة وهو غياب لغة الحوارالتي يسودها الأحترام بين المتحاورين وتقود الى نتائج ينبني عليها عمل يصحح مسار الأمة على كافة المستويات ، فقد كان سلاح اعداء الحقيقة دائما هو التشويش ومحاولة طمس الحقائق وتحربف الكلم عن مواضعه حتى لاتتغير افكار الناس ومعها ممارساتهم ، فاحيانا يرفعون اصواتهم بكافة انواع اللغو حتى تضيع الحقيقة ، واحيانا يخوفون الناس من خطورة الأستماع الى الرأي الآخر خوفا من تغييرالعادات التي يمتطي بها هؤلاء المستبدون رقاب الناس لأنهم جهلاء ، واحيانا يتذرعون بان المصلحين يهددون الأمن ، واحيانا لايتورعون عن التفوه باشكال البذاءات التي لاتدل على احترام الآخر أو حتى احترام النفس ، وهكذا دواليك والأمثلة على هذا السلوك الأستبدادي لاتعد ولاتحصى كما توثقه الرسالات السماوية وكما هو مشاهد في تاريخ الأمم وكذلك التجارب المعاصرة لأنظمة الأستبداد ، حتى اننا سمعنا وقرأنا كيف انه من بين شعارات المطالبون بالأصلاح في المجتمعات الغربية من وصل به الأمر في التأكيد على احترام الرأي الآخرالى حد القول " بانني اختلف معك ولكنني مستعد للموت من اجل الحفاظ على رأيك والأستماع اليه " ، ونحن لدينا في تاريخنا من الأمثلة المتعلقة باحترام الرأي ما هو اعمق واقرب الى الموضوعية من المقولة السابقة التي تتصف بكثير من العاطفية ، وقد اخترنا لحديثنا هذا الشهرمقولة معبرة للأمام الشافعي رضي الله عنه عن كيفية ادارة الأختلاف في الراي بين الباحثين عن الحقيقية حتى يؤتي هذا الأختلاف اكله بدل ان يتحول الى مصيدة يتساقط فيها المتحاورن الى مستويات تفقدهم احترامهم لأنفسهم ولغيرهم وتضيع بعد ذلك الحقيقية ، وبالتالي يؤدي بهم الحوار الى مزيد من التنافر بدل أن يعبد الطريق لمزيد من التآلف والتعاون من اجل رقي المجتمع ، وهذا التنافر هو الذي يتغذى عليه المستبدون باشكالهم . فلو تأملنا مقولة الشافعي التي تظهر في عنوان هذا الحديث فاننا سنرى انها مكونة من جزئين او فقرتين ، الأولى هي لسان حال الغالبية العظمى من المتحاورين عادة ، اما الثانية فهي القيد الذي نادرا ما نرى الناس تلتزم به . ففي الجزء الأول من المقولة يعلمنا الشافعي رضي الله عنه انه لاعيب في ان تعتقد بان فكرتك صحيحة بل انه من الواجب عليك أو الأفضل ان تطرح افكار صحيحة تؤمن بها وتدافع عنها بقوة لأن الأفكار عادة ما تؤسس عليها اعمال وهي ليست لذاتها فقط ، وبالتالي فاذا اردت ان تطرح فكرة فعليك ان تكون مقتنعا بها ، والقناعة لاتنبني على العواطف وحدها لأن عاطفتك قد تميل بك الى كثير من الأمور والممارسات التي قد يكون بعضها صحيحا أو خاطئا ، او بالمعنى الشرعي قد تكون في دائرة الحلال أو دائرة الحرام او في درجة من الدرجات التي تقع بينهما من مندوب ومكروه ومباح ، فلا بد اذن من أن تكون لديك حجة قوية لما تطرحه من افكار ، وهذالايعني انه لايحق لك طرح القضايا للحوارالا اذا كنت متأكدا منها طالما انك ستبين ذلك للناس أي تخبرهم بانك تطرح هذه الأفكار لمزيد من الفهم وان درجة تيقنك بها منخفضة وترجو ان يؤدي هذا الحوارالى مزيد من البلورة والتوضيح لهذه القضايا حتى يزداد يقينك الذي ينتج عنه عادة سلوك معين . اما الجزء الثاني والأهم في المقولة السابقة للشافعي في سياق حديثنا هنا فهو ان طرحك لأفكارك لايؤهلك ، مهما كانت ثقتك بهذه الأفكار، ان تغلق الباب اما الآخرين وامكانية دحضهم لأفكارك ، لأن هذا الأنغلاق المسبق على الأفكارهو تسلط وجهل في نفس الوقت لأن مداخلات الآخرين ونقدهم وتعليقاتهم قد تكشف لك جوانب لم تستطع انت ان تراها من زاويتك بسبب اختلاف الظروف والأمكانات والمواهب والتجارب ، وبالتالي فان احتكارك للحقيقة ليس مقبولا ولا نافعا لك ولا لغيرك ، واذا كنت حقا تبحث عن الحقيقة فلن يضيرك ان تستمع الى ما يقوله الآخر لأن في هذا الرأي الآخر اثراء لأفكارك وحماية لك من التمادي في الخطا . انطلاقا من هذه المقدمة البسيطة يمكننا ان نستخرج عددا من مرتكزات الحوار البناء من مقولة الشافعي السابقة تجعل الخلاف بين اخواننا واخواتنا الساعين الى التأسيس للنهضة بجوانبها التنموية والأمنية أكثر ايجابية وفائدة واهم هذه أالمرتكزات هي ما يلي:  

الأخلاص والرقي الأخلاقي

الباحث عن الحقيقية خاصة في زمننا هذا هو كالذي يمشي في طريق موحش لايسلكه الا القلة الذين وفقهم الله لذلك ، لأن الذي يسلك هذا الطريق يجد نفسه يبتعد عن كثير من الناس ويضحي بكثير من متاع الدنيا ويطاله كثير من أذى السفهاء والجهلاء ، ولذلك فان بدايات هذا الطريق تكون قاسية على النفس ولكن عواقب السير فيه هي خير وسكينة ونعم ما بعدها نعم ، وهو طريق لاينبغي لأحد أن يدعي احتكاره عن غيره ، ولكن كما قلنا هو طريق يتطلب أولا التوفيق من الله وثانيا المجاهدة المستمرة للنفس وثالثا الصبر على الأذى حتى تكون النية صافية والأهواء مهذبة وان يكون الأنتصار هو للحق وليس للنفس وكما خاطب الشافعي شيخه وكيع قائلا :

 شكوت الى وكيع سوء حفظي 

                         فارشدني الى تركع المعاصي

  وأخبرني بأن العلم نور

                       ونور الحق لايعطى لعاصي

 هذا يعني ان الناس عندما تدخل في حوارات مع بعضها البعض تتفاوت في نياتها ، فهناك من يبحث عن الحقيقية وحدها ، وهناك من يبحث عن الحقيقة التي تتفق مع اهوائه ونزواته ، وهناك من يبحث عن الحقيقية التي لاتتعارض مع حاكمه ، وهناك  ... وهناك ، وكل انسان كما قال الحق سبحانه وتعالى "الزمناه طائره في عنقه"  ، ولانريد ان نصدر احكاما لكننا نريد أن نؤكد انه كلما كان المتحاور اكثر استعداد للوصول الى الحقيقية المجردة حول الموضوع المطروح للنقاش ، اي لله ، من غير فرض قناعات مسبقة ، أو السعي لتجيير النتيجة لهوى في النفس او لأرضاء جهة أخرى ، كلما كان هذا المحاور اقرب الى الحوار البناء الذي يجعله يصل الى نتائج ذات معنى مع الاخرين ، وكلما كانت مواقفه اقرب الى العدل . وعلى الرغم من ان هذا الأخلاص في البحث عن الحقيقية يتطلب تنقية النفس من المعاصي والأبتعاد عن الهوى باشكاله كما ذكر الشافعي في ألأبيات السابقة ، الا اننا قد نرى درجة من الأخلاص في البحث عن الحقيقية حتى من اجل مكاسب دنيوية ، فمثلا نرى كثير من المؤرخين في الغرب اليوم يعترفون بدور الحضارة ألأسلامية في التأسيس للحضارة الغربية حفاظا على سمعتهم العلمية وادراكهم بأن هذه الحقائق ستظهر الى السطح سواء على ايديهم او على ايدي غيرهم ، مما يدفعهم الى اخذ المبادرة والأعتراف بها ، بينما نجد افراد من بني جلدتنا وموحدين لايترددون وللأسف في تزييف الحقائق بفجاجة لأنهم أصبحوا يخشون الناس أكثر من خشيتهم لله سبحانه وتعالى .   

الحجة أهم لوازم الحوار

على الرغم من أن الأخلاص في البحث عن الحقيقية في الحوارات امر ضروري الا انه غير كافي لأن المطلوب من المحاور اذا كان يريد ان يدافع عن رأي ما أو قضية معينة ان يكون متزودا ببعض المعرفة عن موضوع الحوار وان تكون معلوماته موثقة ودقيقة أي ان لاتكون مجموعة من الأشاعات والمعلومات المزورة التي تروجها جهات مختلفة لتلويث الحوار المنشود وعدم السماح بوصوله الى نتائج ايجابية ، وهذا ما يامرنا به خالقنا سبحانه وتعالى في قوله :" ولاتقف ماليس لك به علم ، ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " (ألأسراء : 36) ، اي ان الأنسان سيحاسب يوما ما على الكيفية التي استخدم بها حواسه ان كان في خير أو في شر. بل ان ديننا قد اكد على اهمية اعمال العقل وتقديم الدليل حتى في اخطر القضايا كوجود الله سبحانه وتعالى والأيمان به في قوله : " أم أتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ، لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ، فسبحان الله رب العرش عما يصفون ، لايسال عما يفعل وهم يسألون ، ام أتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل اكثرهم لايعلمون الحق فهم معرضون " ( ألأنبياء 21-24 ) . فمنذ ان بدات الحضارة ألأسلامية في الأنحسار ، ومحاولات التجديد والنهضة والأنبعاث ألأسلامي مستمرة سواء على ايدي افراد كالطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وبن باديس وغيرهم ، أو على مستوى الحركات ، كالحركة الوهابية والحركة السنوسية والحركة المهدية والجماعة ألأسلامية في شبه القارة الهندية وحركة الأخوان المسلمين في العالم العربي وغيرها كالحركات القومية كالناصرية والبعث وغيرها من مشروعات النهضة ومقاومة الأحتلال الأجنبي مع تفاوت مرجعياتها . هذه الجهود الفردية والجماعية لأستنهاض الأمة نجحت في مجالات واخفقت في مجالات والمطلوب من أبناء المنطقة اليوم وهم يتحاورون حول مشروع النهضة ان لايقعوا في مصيدة أنظمة ألأستبداد ومعها القوى الأجنبية التي لاتريد في الحقيقة للأجيال الحالية ان تعرف ماضيها لتحكم على حاضرها وتمهد لمستقبلها والدليل على ما نقول هو ما نشاهده من محاولات لأبعاد اللغة العربية عن ساحة التأثير لتنقطع اواصر الأجيال مع الماضي من كتاب وسنة ، ثم تستكمل هذه الخطوة بعملية تشويه متعمدة لكل جوانب ثقافة ورجالات حركات التجديد التي ذكرنا بعضها سابقا ، علما ان هذا الأرث المتراكم هو ارث جميع أبناء الأمة وليس حكرا على فئة دون أخرى . لذلك نذكر اخواننا من الأجيال الشابة كما نذكر جيل الشيبان أو الكهول بأن لأيستعجلوا في اصدار الأحكام على تراثهم حتى يعرفوه من مصادره الصحيحة ومن مواصير العلماء والمؤرخين المشهود لهم بالصدق والعلم والأخلاص لهذه الأمة . ولنضرب مثال على ذلك حركة الأخوان المسلمين التي كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة بسبب ما حققته من بروز واضح بعد الربيع العربي وبعد ان اعطي المواطن العربي حرية تقرير مصيره . فالصورة التي تريد ان ترسمها أنظمة ألأستبداد ومن يدور في فلكها عن هذه الحركة فيها ادانة لهذه الأنظمة اكثر من كونها ادانة للحركة ، لأن منطق الأمور يحتم على كل من يتحاور عن هذه الحركة أو غيرها من الحركات الأسلامية ان يكون لديه الحد الأدني من المعرفة عن مباديء هذه الحركة وعن الرجال الذين تربوا على هذه المباديء وعن تاريخ هذه الحركة بايجابياته وسلبياته وكذلك عن موقف اعداء هذه الأمة تجاه هذه الحركة وانا لست هنا بمقام الدفاع عن هذه الحركة مع قناعتي بانها حركة اصيلة كان لها دور في غرس وتأصيل مسار الصحوة الأسلامية في هذه المنطقة ، ولكنني ساستشهد بمثال بسيط ومعبرفي القوت نفسه عن مدى حرص الغرب على عدم تمكن التيارات الأسلامية من الحكم في هذه المنطقة لأنها لاتقبل بالتبعية للغرب وتقدم مصالح شعوبها على مصالحه واليكم هذه القصة . كنت قبل عدة سنوات اقضي سنة تفرق علمي في الولايات المتحدة وقد دعيت الى محاضرة كان سيلقيها احد المتخصصين في الشرق الأوسط وكان استاذا في جامعة بريطانية عريقة ، وكذلك مستشار لوزارة الخارجية الأمريكية ، وقبل المحاضرة جلسنا  أنا وبعض الزملاء في القسم الذي كنت استاذا زائرا فيه مع الضيف ودار الحديث حول الشرق الأوسط فسألته سؤالا بريئا وهو : كيف تنظرون الى الأنتخابات المصرية ودور الأسلاميين فيها ، فما كان من الأستاذ الا ان تبرع باجابة لم اتوقعها منه وذلك بالقول بان الولايات المتحدة طلبت من الحكومة المصرية ان تقيد الأنتخابات حتى لايفوز الأسلاميون ( خاصة الأخوان ) بعدد كبير من المقاعد . عندئذ سالته سؤالا آخرلايخلوا من النقد فقلت له : لماذا هذه الوصاية على الشعب المصري والآ تعتقدون انكم اذا حرمتم الأسلاميين من المجيء عن طريق صناديق الأقتراع فانكم بسلوككم هذا تدفعون بالمنطقة الى العنف وعدم الأستقرار ؟ فرد علي بالقول بانهم يخافون من ان يستولي الأسلاميون على السلطة ويوقفون العملية السياسية برمتها . فقلت له لماذا تعتبرون الأسلاميين المصريين متهمين حتى يثبتون براءتهم ، بينما قوانين الأرض والسماء تفترض ان الأنسان بريء حتى تثبت ادانته ، واضفت قائلا ان التجربة التركية تؤكد بان الأسلاميين كغيرهم سيحافظون على حقوق الآخرين واذا لم يحققوا برنامجهم فان صناديق الأقتراع ستبعدهم عن السلطة كما اتت بهم وهم لايملكون جيوشا ومدرعات يفرضون بها ارادتهم على الشعب كما فعل غيرهم ، وختم ألأستاذ المحاضر حواره معي بالقول بان الحكومة الأمريكية تدرس كل الخيارات الآن ، هذا هو موقف كثير من الدوائر الغربية تجاه الأسلاميين وهو موقف مرتكز على تصور مسبق ولايسنده منطق او حجة أو اخلاق، وهو وللأسف الموقف الذي اصبحت تتبناه حكومات المنطقة من غير دراية بانعكاساته على وحدة هذه المجتمعات  . كذلك ليس من الصعب على الباحث عن الحق ان يتأمل ما كتبه بعض قادة اسرائيل عن المقاومة الشرسة التي ابدتها كتائب الأخوان في مواجهة اليهود في ألأربعينات ، ولايمكن ان يتجاهل الغيور على هذه الأمة الكيفية والظروف التي احاطت باغتيال الشهيد حسن البنا مؤسس الجماعة رحمة الله عليه ، وليس من الصعب على من لديه الخوف من الله وليس محاولة أرضاء زيد أو عمر من الناس ان يقرا مباديء الحركة التي وضعها مؤسسها وتربت عليها الأجيال التي كان لها دور رئيسي في بناء المؤسسات الأسلامية بانواعها وعلى رأسها المصارف الأسلامية . واخيرا لاندري كيف نرد على البعض الذي لايزال ، اما جهلا او تجاهلا، يشكك في التيارات الأسلامية وأهميتها في نهضة الأمة بعد ما قامت به هذه التيارات مع غيرها من أبناء الأمة المخلصين في ازاحة أنظمة الأستبداد والفساد ، بل ان هؤلاء المشككون لم يترددوا في تنصيب انفسهم اوصياء حتى على الأمة باكملها حيث انهم رفعوا اصواتهم معترضين على اختيارهذه الأمة للأسلاميين في الأنتخابات التي تبعت سقوط أنظمة الأستبداد وهم بذلك يثبتون للعالم باكمله انهم لايثقون في هذه الشعوب وان لديهم حساسية مفرطة تجاه من يرى في الأسلام منهج حياة ، وانهم لازالوا ضحايا لعقلية الأستبداد والجهل والأنانية والفهم الضيق لهذا الدين والأقصاء للآخر . اذن فنحن امام شريحة من الناس اذا اختلفت مع غيرها فهي لاتقبل المرجعية الشرعية او المرجعية الديمقراطية ، أو حتى العودة الى المباديء القبلية الأصيلة في حل هذا الخلاف ، وانما تسير طبقا لهوى النفس الذي افرزته فترة الأستبداد وغذته المصالح الآنية والجهل بقيم الأسلام وعدله وتقليد ألاباء والحكام ، وقد حذرنا الخالق سبحانه وتعالى من اتباع الهوى ومن التمسك بالأعراف التي تعارض شرعه ومن العادات التي تناقض الحرية والعدل في اكثر من مناسبة ، فهو احيانا يشبه هؤلاء بمن عطل ما وهبه اياه خالقه من وسائل العقل والتدبر بقوله : " لهم قلوب لايفقهون بها ولهم اعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها " (الأعراف : 179) ، واحيانا يعتبرهم أسوا حال من الأنعام : " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" (الفرقان : 44) ، وفي حالة ثالثة يعيب عليهم التقليد واتباع ألاباء او غيرهم في ما يعارض شرع الله بقوله : " واذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولايهتدون" (المائدة : 104) ، وفي حالة رابعة ينهاهم الله عن الظن المذموم الذي لايقوم على بينة ، فالشريحة التي نتحدث عنها هنا تبني المواقف على مجموعة من الظنون التي نشرتها بينهم قوى الأستبداد والقوى الأجنبية ، وقد نهاهم الله عن ذلك في قوله : " يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم " (الحجرات : 12) ، وفي حالة خامسة يربط الحق سبحانه وتعالى بين اتباع الهوى والضلال في قوله : " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" (القصص : 50) ، وقوله : " وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم " (الأنعام : 25) .   

هذا طبعا لايعني اننا ندعي ان هذه الحركة أوغيرها من حركات التجديد الأسلامية وغير الأسلامية في هذه الأمة اتصفت بالكمال او الغياب الكلي للقصور أو للأخطاء أو ان جميع رجالها ارتقوا الى مستوى مبادئها ، لا أبدا ، اننا لانقول ذلك ، ففي هذه الحركة كغيرها من حركات التجديد ، السابق بالخيرات ، وفيها المقتصد ، وفيها كذلك الظالم لنفسه  ، ولكن شتان ما بين من تكون بوصلته متجهة لأحياء الأمة على ثوابت هذا الدين ، وبين من يجند نفسه لخدمة ألأستعمار وخدمة مصالحة الشخصية الضيقة كما تفعل انظمة ألأستبداد واعوانها اليوم . ان الذي نؤكده لأخواننا واخواتنا ولأبنائنا الكرام هو ان هذه الحركات مجتمعة كانت بمثابة الروح النابضة في تاريخ هذه الأمة في مواجة الأستعماروالذود عن الأسلام والحفاظ على  لغة الضاد ومواجهة التغريب وما يأتي معه من تخريب واضعاف وتجزئة وتخلف لهذه الأمة ، من هنا فان هذا التراث لاينبغي ان يكون  سببا في مزيدا من التفكك والصراع وانما ينبغي ان ننظر اليه على انه تراثنا جميعا نبني على ما فيه من ايجابيات ونعتبر بما فيه من اخطاء وقصور وتكون مرجعيتنا في ذلك مصادر المعرفة التي من الله بها علينا وهي الوحي والعقل والتجربة ، وقد استبعد الغرب الوحي فسقط في متاهات الجهل بكثير من حقائق هذا الكون وعلاقات مكوناته ببعضها البعض وبالمصير بعد الموت وهي معرفة لاتوجد الا في الوحي غير المحرف والمتثمل في كتاب الله وسنة نبيه عليه افضل الصلاة والتسليم ، وقد حاول الغرب في البداية ان ينكر الغيب وعندما اتضح له وجود هذا الغيب ادرك انه يفتقد كثير من المعارف الغيبية التي لايستطيع العقل ان يلم بها ولكن هذا الأدراك جاء متأخرا اي بعد ان بدات الحضارة الغربية في الأنحدار لأنها حصرت نفسها في رؤية كونية ضيقة حولت الأنسان من خليفة لله يعمر الأرض على اساس رؤية كونية شاملة تجعل الأرض مزرعة للاخرة : " وما اوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ، وما عند الله خير وأبقى افلا تعقلون "(القصص : 60) الى انسان متهالك على المادة يعيش لدنياه وتقوده نزواته من ضنك الى آخر. اننا نتمنى على اخواننا واخواتنا الأعتماد على البينة والبرهان وبقية مكونات المنهج العلمي في تأمل تراث هذه الأمة والحكم عليه والأضافة اليه بدل التخرص وترويج اشاعات لااساس لها من الصحة ، بل واننا نطالبهم باعمال نفس المنهج في النظر حتى مع الأعداء مصداقا لقوله تعالى : " ولايجرمنكم شنآن قوم على ان لاتعدلوا . اعدلوا هو اقرب للتقوى" حتى يدركون اننا أمة الحضارة والعدل والوسطية والشهادة على البشر ، واننا نبني انسانا صالحا يمتد فضاء سلوكياته الى الكون كله ، بدل المواطن الصالح الذي يتحول الى حيوان مفترس لاتحكمه قيم عندما يخرج الى خارج وطنه ، كما راينا من سلوكيات القوات الأمريكية في العراق وافغانستان وهي غيض من فيض من ممارسات الحضارة الغربية التي ابتعدت عن الله وألهت العقل وبدات تدمرفي السنوات الماضية ما قامت ببنائه عبر قرون من الزمن لأنها فقدت الضوابط العقائدية والقيمية اللازمة لذلك كما يقرر مفكروها .

الأستعداد للرجوع عن الخطا  

اضافة الى الصدق في البحث عن الحقيقية والتحلي بالخلق الراقي في الحوار وتحري المعلومة الصحيحة والدقيقة عن موضوعات الحواروتقديم البرهان ، لابد كذلك من ان يكون المحاور قادرا على الأستماع الى محاوره وفهمه ، فقد يكون في ما يطرحه هذا المحاور اضافة قيمة أو قيمة مضافة أو نقد بناء أو توضيح يجلي بعض جوانب الموضوع ، ولابد لكل محاور من الأنطلاق من قناعة ثابته بان الكمال لله وحده وان العصمة للرسل فقط في ما يخص الوحي من الله او في ما يتعلق بما هو تشريع ، وهذا يعني ان هناك فرصة يوفرها الحوار مع الآخرين لأستكمال الفكرة المطروحة وتهذيبها والأقتراب بها من الكمال الذي تسمح به قدرات الأنسان ، وبقدر ما تكون الأفكار مكتملة بقدر ما يكون اساس العمل اقوى وهذا بدوره يجعل صرح البناء امتن وادوم واقدر على تحقيق مهماته . ولايؤتي الأستماع الى الرأي الآخر اكله الا اذا كان الفرد المحاور لديه ألأستعداد ان يغير مواقفه على اساس ما استجد لديه من معلومات واذا كانت هناك مواقف سابقة خاطئة لابد ان تتوفر لديه الشجاعة بان يقر بخطأه ويصر على تصحيحه على ضوء المستجدات وهذه المواقف ستزيده ثقة بنفسه وتقربه من محاوريه وستسهل عليه الأتفاق والتعاون مع الآخرين في المستقبل . لقد حان  الوقت لأغلاق أبواب الفرقة والتشرذم التي زرعها الأستعمار واعوانه في المنطقة ، لقد تحدثنا سابقا عن اهمية تفكيك الأستبداد والسعي لنيل الحرية ، وتحدثنا عن ضرورة الوحدة الأقتصادية من اجل توفير شروط التنمية ، وفي حديث هذا الشهر حاولنا ان نلفت انظار اخواننا الى اهمية تضييع الفرصة على الأستبداد والأستعمار وذلك بعدم السماح لهما بلعب أوراق الفرقة الثقافية ، فانتم جميعا ابناء حضارة واحدة ومنطقة واحدة وآلام واحدة وآمال واحدة ، فلا تسمحوا لأنظمة الأستبداد والقوى الأستعمارية ومن دار في فلكهم ان يضربوا السلفيي بالأخواني ، والناصري بالأسلامي ، والأماراتي بالسعودي ، والخليجي بالمغربي ، وتعشمنا هو ان تكونوا على درجة من الفطنة واليقظه ، وان لا تلدغوا من جحر مرتين ، فأبدأوا العمل على المشتركات واصبروا وتحملوا بعضكم بعضا حتى تبدا دائرة المشتركات في الأتساع وتبدا الخلافات في التناقص وهكذا ستكونون قد غرستم ثقافة الحوار واصبحتم قادرين على الحفاظ على ما هو ايجابي في تراثكم و من ثم المضي الى مزيد من التعمير لهذه الأرض باكملها مصداقا لقوله تعالى : " هو أنشأكم من الأرض استعمركم فيها " ، واحذروا انظمة ألأستبداد لأنها ستظل تصر على ارجاعكم الى الوراء ، وقد تكون لديها كثير من الأوراق التي ستلبعها في السنوات القادمة من اجل تحقيق ذلك ، اما انتم فليس لديكم الا خيار واحد هو الأتكال على الله وحده ثم المضي الى الأمام وصناعة الحياة وتنفس نسيم الحرية والعمل تحت غطاء الوحدة وتأمين مستقبل ابناءكم واحفادكم ولاتسبوا ولاتشتموا فهذه ليست بضاعة المصلحين وهي نوع من الأنتصار للنفس وليس الأنتصار للحق واستشعروا في سيركم قول الحق سبحانه وتعالى :" ولاتستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم . ومايلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم" (فصلت : 34-35) ، فو الله انكم بهذا الأستشعار ان شاء الله لمنتصرون. ولكن حذارا حذارا ان يفهم من كلامنا هذا اننا نقبل بمهادنة الظلم او القبول به ، بل ان المطلوب من أحرار هذه المجتمعات هو كشف حقائق الفساد سواء كان سياسيا او ماليا أو اخلاقيا ومحاربته بكل الطرق الممكنة ، وتنقية مفاهيم الناس من ثقافة الأستبداد وما تحمله من دمار وتجزئة وتفرقة بينهم ، ونشر الفهم الصحيح لدين الله وتنقيته من خزعبلات علماء السلطان ، والعمل على توحيد الأمة ضد الأعداء الحقيقين بدل ان يتم تعبئتها لمحاربة بعضها البعض كما يفعل الأستبداد واعوانه في الوقت الحاضر وتذكروا ان الباطل لايزهق الا بوجود الحق واصراره على البقاء مهما عتت رياح الباطل . واخيرا نقول للأخوة والأخوات الذين نصبوا انفسهم محامون عن الأسر الحاكمة اما جهلا او لمكاسب دنيوية لاتكونوا كذلك الدب الذي قتل صاحبه معتقدا انه يحميه من الأذى ، فنحن والله وان كنا نختلف مع هذه الأسر خاصة الشرائح الحاكمة منها في قراراتها السياسية وفي ادارتها للثروة وقد بينا ذلك في اكثر من مرجع ومقابلة وبكل شجاعة وصدق وسنظل نفعل ذلك تبرئة لذمتنا امام الله سبحانه وتعالى واخلاصا لأوطاننا وليس طمعا في اي مكسب دنيوي ، الا اننا كنا ولازلنانؤمن ايمانا راسخا باننا وهذه الأسر الحاكمة ركاب سفينة واحدة اذا غرقت هلكنا جميعا واذا نجت نجينا جميعا والذي يدفعنا الى الصراحة في طرح آرائنا هو اننا نرى ان العالم يمر بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية لامثيل لها وهي كالأمواج العاتية اذا لم يتم الأستعداد لها فانها لن تبقي ولن تنذر والأستعداد لها يحتم على هذه الحكومات اجراء اصلاحات جذرية على اكثر من صعيد لتوحيد الجبهة الداخلية لكل دولة وتوحيد الجبهة الخليجية حتى يتكون لدينا كيان قابل للتنمية المستدامة وقادر على تحقيق امنه الفعلي .

 

 

المشاهدات 5160   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك