هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


ثمن الحضارة (1) تشخيص الأزمة الأقتصادية في الولايات المتحدة
تاريخ الاضافة 
 

                                                          The Price of Civilization                                                              

                                                   ( ثمن الحضارة)

                                                              جيفري ساش

ابتداء من هذا الشهر سنبدا قراءة متأنية في كتاب صدر حديثا لجيفري ساش وهو استاذ اقتصاد في جامعة كولومبيا ومستشار الأمين العام للأمم المتحدة وهو قد درس الأقتصاد لأكثر من اربعين عام وقام بتقديم ألأستشارات لعشرات الدول النامية في قضايا التنمية وتحدياتها خلال الفترة نفسها . ومما يجعل قرائتنا لهذا الكتاب متأنية وعلى حلقات هو انه بالأضافة الى الخبرة الواسعه لمؤلفه ، يعالج الكتاب وبشيء من الموضوعية والعمق ما تعاني منه الولايات المتحدة من تراجع لم تكن الأزمة المالية الأخيرة الا رأس جبل الجليد منه ونحن على ثقة ان زوار الموقع الكرام سيتعلمون الكثير حول عوامل نهضة وتراجع الأمم بمتابعتهم قراءتنا المتأنية لهذا الكتاب او هذا على الأقل ما نتأمله وسنبدا هذا الأسبوع بالفصل الأول الذي يشخص فيه المؤلف الأزمة المالية التي تعاني منها الولايات المتحدة موضحا ابعادها المختلفة التي تتجاوز الأقتصاد الى الرؤية الكاملة للنظام الرأسمالي .

                  

                          تشخيص الأزمة الأقتصادية في الولايات المتحدة

يبدا المؤلف بالتأكيد على ان أزمة ألأقتصاد الأمريكي هي ازمة اخلاقية ناتجة عن تراجع منظومة القيم لدى االنخب لسياسية والأقتصادية . فالمجتمع المكون من أسواق وقوانين وانتخابات ليس كافيا اذا اخفق الأغنياء والأقوياء فيه ان يتصرفوا باحترام وامانة ورحمة تجاه بقية المجتمع والعالم . فالولايات المتحدة ، في رأي المؤلف ، بنت أكثر ألأسواق تنافسية في العالم ولكنها تخلت تدريجيا عن فضائلها وقيمها ولن يكون هناك أنتعاش اقتصادي دائم اذا لم تستعيد الولايات هذه القيم وما يواكبها من مسؤلية اجتماعية . ولايتردد المؤلف في القول بأنه يكتب هذا الكتاب وهو في حالة من الحرج والتعجب ، حيث انه قضى اربعين عاما يفترض فيها ان الولايات المتحدة بما عندها من ثروة وخبر تعليمية وتقنية متطورة ومؤسسات ديمقراطية قادرة على ان تجد طريقها الى تحقيق العدالة الأجتماعية ، الأمر الذي دفع بالمؤلف الى التوجه الى الخارج لمساعدة بقية دول العالم التي تواجه مشاكل اكثر حدة وخطورة ، أما ألان فانه اصبح قلقا على وطنه لأن الأزمة الأقتصادية الأخيرة تعكس تراجع عميق وخطير في النظام السياسي ومعه ثقافة استخدام السلطة . فالأزمة كما يعتقد المؤلف تطورت عبر حقب زمنية فهي ليست دورة اقتصادية ولكنها ازمة ذات ابعاد سياسية واجتماية واقتصادية ، فهي ليست بسبب اخفاق سياسة واحدة أو رئيس واحد ، كما انه لايتحملها حزب دون آخر ، فاذا كانت  شركات النفط تتحكم بالجمهوريين فان اسواق المال تتحكم بالديمقراطيين ، الأمر الذي يعني ان الألمام بجذور هذه الأزمة يتطلب تجاوز الأعتقاد بان حل الأزمة يكمن في تنشيط الأقتصاد او تقليل عجز الموازنة أو تقليل الضرائب ، لأن هذه الحلول عابرة ولن تعالج الأزمة من جذورها . فكثير من رؤساء الشركات والأكاديميين تخلوا عن مسؤوليتهم الأجتماعية فقد اصبحوا يطاردون النفوذ والثروة على حساب بقية شرائح المجتمع . اننا في حاجة لأعادة تصور مفهوم المجتمع المثالي للقرن الحادي والعشرين والبحث لأيجاد الطرق التي تؤدي اليه وتنمية الأحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين ، ويؤكد المؤلف انه في فترة اعداده لهذا الكتاب تبين له من خلال أستبيانات الرأي والأتصالات ان الأمريكي العادي يختلف كثيرا عن النخب وعن الصورة التي ترسمها عنه وسائل الأعلام ، فهو اكثر كرم واكثر وعي ولكنه فقد سيطرته على النخب والقيادات بسبب اخفاق النظام السياسي . ويضيف المؤلف ان تخصصه هو في كيفية عمل الأقتصاد الكلي وليس في قطاع واحد ، وعمل ألأقتصاد الكلي لايمكن معرفته الا من خلال تأمل الترابط بين الأقتصاد وما يحيط به من بيئة سياسية واجتماعية ولكن غالبية الأقتصاديين لازالوا واقعين في فخ النظر الى الأقتصاد بمعزل عن بيئته ، ولقد دور المؤلف خلال ربع قرن من الأستشارات هو معرفة مصدر المشكلة الأقتصادية ومعالجة القطاع الذي يسببها ، والمتأمل للأقتصاد الأمريكي يتضح له ان هذا ألأقتصاد لازال يعاني من سوء تشخيص الأزمة ألأقتصادية خلال فترة رئاسة ريغان وما نتج عن هذا التشخيص من سياسات خاطئة لازالت انعكاساتها السلبية قائمة خاصة في ما يتعلق بدور القطاع العام في الأقتصاد . لذلك فقد خصص المؤلف القسم الأول من الكتاب لتشخيص الأزمة الأقتصادية الأمريكية بكل أبعادها ، ثم انتقل الى اقتراح سبل العلاج في القسم التالي ، والعلاج يتركز على ضرورة قيام اغنى1% من الأمريكان بمسؤولياتهم الأجتماعية ، فالولايات المتحدة اليوم فيها حوالي 14.3 % أو 44 مليون يعيشون تحت خط الفقر و60 مليون آخرين يعيشون في ما يمكن تسميته بظل خط الفقر، هذا يعني أن حوالي 100 مليون امريكي يعيشون تحت أو قريب من خط الفقر . بالأضافة الى تأكيد المسؤولية الأجتماعية للأغنياء تجاه الفقرا ، لابد كذلك للمجتمع من رؤية واضحة ونابعة من اجماع المجتمع الأمريكي للأهداف التي يرغب في تحقيقها خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ، ويؤكد المؤلف بانه لايقصد بذلك التخطيط المركزي الذي كان سائدا في الأتحاد السوفييتي وانما التخطيط طويل المدى للأستثمارات اللآزمة لتعليم ذو جودة عالية وبنية اساسية متجددة وحديثة ومصادر طاقة مستقرة وقليلة الكربون والحفاظ على البيئة . كذلك يقول المؤلف بأننا في حاجة الى اعادة النظر في انهماكنا المفرط في السعي وراء الثروة على حساب امور اخرى كالأمانة والتعاطف والثقة وهي امور جديرة بعلاج كثير من مشاكلنا فقد تعلمنا ، كما يقول المؤلف ، من سقراط وبوذا ، بان للحياة معاني اعمق من ظواهر الحياة تتحقق بها سعادتنا وهذا يتطلب منا الأعتدال وعدم الأفراط في وجوه ألأستهلاك المختلفة وهذا في اعتقادنا روح ما نعرفه من ديننا الحنيف وان كان الكاتب لم يذكر ذلك اما جهلا واما تجاهلا ولكن يكفينا اعترافه بان الأنماط الأستهلاكية التي ظلت الحضارة الغربية تروج لها بكل الوسائل اصبحت احد مصادر الأزمة ألأقتصادية التي يعيشها العالم .    

                                                                                            والى اللقاء في الحلقة القادمة

 

المشاهدات 1708   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك