هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (12)
تاريخ الاضافة 
 

                مفاهيم  ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (12)

وهكذا يصبح "العمل السياسي" جزءا من العقيدة وجزءا من العبادة ، ولاخارج هذه الدائرة ولاتلك . وهكذا  فهمت الأمة وهي تراجع عمر &ndash رضي الله عنه &ndash فيقول له واحد من رعيته : لاسمع لك اليوم علينا ولاطاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ! وتقول له امرأة من رعيته حين أمر بعدم المغالاة في المهور : لقد حجرت واسعا ! الله يقول : " وآتيتم احداهن قنطارا " وانت تضيق على الناس ؟ ! فيقول : اخطأ عمر وأصابت امرأة !

ولكن الأستبداد السياسي الذي بدأه الأمويون في حياة الأمة  الأسلامية منذ وقت مبكر ، مضافا اليه التفلت التدريجي من التكاليف ، والصوفية التي أنشأتها ظروف معينة في حياة الأمة ، والفكر الأرجائي الذي حصر الأيمان &ndash الذي يدخل به الناس الجنة &ndash في التصديق والأقرار .. كل هذه العوامل مجتمعة حصرت العبادة في حس الناس في الشعائر التعبدية فحسب ، وأصبح الأسلام في الناس أقرب الى أن يكون ممارسة فردية يقوم بها كل أنسان بمفرده ، حين بعد الناس عن ممارسة " العمل السياسي" الأسلامي ، وهو ابرز ما تقوم به الجماعة المسلمة من الأمور ن وهو الذي استحقت من أجله وصف الله لها بأنها خير أمة أخرجت للناس .

" كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله" [1].

وحين خرج العمل السياسي من دائرة العبادة تخلخلت أول عروة من عرى الأسلام &ndash عروة الحكم &ndash وان كانت لم تنقض تماما في مبدا الأمر ، فقد بقي الناس في المجتمع الأسلامي يتحاكمون الى شريعة الله ، لايرون غيرها شريعة واجبة الطاعة ولا واجبة التنفيذ . ولكن صحب تحكيم شريعة الله جور من الحكام ومظالم تجعل التطبيق غير كامل كما أوجبه الله ونفذه السلف الصالح ...ومرت قرون من هذا التحكيم المصحوب بالجور والظلم حتى نقضت تلك العروة تماما في العصر الحديث حين نحيت شريعة الله عن الحكم أصلا واستبدلت بها شرائع البشر ، فكانت أول عرى الأسلام نقضا كما قال الصادق المصدوق &ndash صلى الله عليه وسلم - : " لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة ، فأولها نقضا الحكم ، وآخرها نقضا الصلاة " [2].

ومع وجود العوامل التي أشرنا اليها ، والتي أخرجت العمل السياسي من دائرة العبادة ، لم يكن من المتوقع أن يقف الأنحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة عند هذا الحد . انما كان المتوقع أن يسري الأنحسار تدريجيا الى بقية أنواع العمل ، فأخرجت تدريجيا من دائرة الأيمان  ودائرة العبادة ، لامعنى أن الناس لم يعودوا يعملون ، فالأنسان لايمكن أن يكف عن العمل في الحياة الدنيا ، وقد خلقه الله للكدح الدائم فيها :

" يا ايها الأنسان اك كادح الى ربك كدحا فملاقيه " [3].

انما بمعنى ان العمل في الحياة الدنيا انفصل في حس الناس عن دائرة الأيمان حين انحصرت هذه في التصديق والأقرار ، وعن دائرة العبادة حين انحصرت هذه في الشعائر .. فصار للعمل ركيزة أخرى غير العبادة ، لتكن هي الكسب ، أو هي الأقتناء والملك ، أو هي الغلبة والسيطرة ، أو هي المتاع الحسي أو المتاع المعنوي .. أو أي دافع من الدوافع " الذاتية" التي تدفع الأنسان للأنتاج والعمل غير مرتبطة بالأيمان أو التعبد اليه .. وصار في حس الأنسان أنه حين " يعبد" ينقطع عن العمل ، وحين " يعمل" ينقطع عن العبادة ، وصارت له ساعتان منفصلتان تماما لايربط بينهما رابط : ساعة العمل وساعة العبادة ، فضلا عن ساعة ثالثة خارج العمل والعبادة جميعا ، هي ساعة اللهو أو الترويح &ndash بريئا أو غير بريء ! &ndash فصارت كل واحدة من هذه الدوائر الثلاث منفصلة عن الأخرى ، " مقفلة" على ما فيها ، ولم يعد الأنسان يصل الى أي واحدة منها الا بالخروج من الدائرتين الأخريين ! .

 

 

 

 

 


 

[1] سورة آل عمران ، الآية : 110 .

[2] أخرجه أحمد .

[3] سورة ألنشقاق ، الآية : 6 .


المشاهدات 2514   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك