هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (14)
تاريخ الاضافة 
 

                      مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (14)

وحين كان الأمر على هذا الفهم الذي فهمه الجيل الأول من كتاب الله ومن تعليم رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، لم تكن هناك دوائر مغلقة في حياة المسلم ينتقل من واحدة الى الأخرى ساعة بعد ساعة ..ولم تكن " العبادة" مجرد ساعة من الساعات ، يخرج المسلم منها الى غيرها .. انما كانت هناك دائرة واسعة شاملة ، ينتقل الأنسان في مختلف جوانبها من نشاط الى نشاط ، وهو في جميع الأحوال قائم أو متحرك في داخلها يعبد الله :

" يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .." [1]

ولم يكن ذلك تطوعا منهم يفردون به ، ويعفي غيرهم منه .. انما كان هو الفهم الصحيح للعبادة ، والممارسة الصحيحة لها ، ثم يتفاضلون فيما بينهم لافي هذا الجوهر المشترك ، وهو شمول العبادة لكل ألوان نشاطهم ، انما يتفاضلون في القدر الذي يجتهد كل منهم في تحقيقه في شتى مجالات العبادة ، بمقدار ما يوفقهم الله .

وكانت الشعائر تلقى منهم حفاوة بالغة كما قلنا ، لاباعتبارها هي مجال العبادة الأوحد فيصبوا فيها كل وجداناتهم ، وكل مشاعرهم ، وكل حضورهم الروحي ، وكل خشوعهم واخباتهم لله .. انما لأنها في حسهم ، كما هي الحقيقية ، محطات التزود ، التي يتزود فيها الأنسان بالزاد لبقية الطريق .. أو النبع الذي يجدد الطاقة للقيام ببقية العبادة المفروضة على الأنسان .. وكلما نفد الزاد أو كاد يكون المسافر قد أتى الى المحطة التالية يتزود فيها للمشوار الجديد ..

الصلاة زاد يومي يتكرر خمس مرات في اليوم والليلة . والصيام زاد سنوي مركز مجمع يستغرق شهرا كاملا يتقلب فيه الأنسان من عبادة الى عبادة الى عبادة . والزكاة موسم أو مواسم سنوية يتطهر فيها الأنسان من الشح ، ويمارس العطاء الروحي والمادي ، ويقبل على الله .. وكلها زاد .. لبقية الطريق .. والعبادة تشمل كل الطريق ..

ولننظر في بعض النماذج من سلوك الصحابة ، رضوان الله عليهم ، لندرك هذه الحقيقية العميقة الدقيقة ، وهي شمول العبادة في حسهم لكل عمل وكل فكر وكل شعور ، وكل لحظة من لحظات العمر ، وعدم اقتصارها على لحظات معينة هي التي تؤدي فيها الشعائر التعبدية..

خذ هذا الأعرابي الذي اعطاه الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قسمة من الغنائم فقال : ما على هذا اتبعتك ! ولكني اتبعتك على أن أرمي الى هاهنا ، واشار الى حلقه ، بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال : ان تصدق الله يصدقك [2].  

الم يكن في قمة العبادة وهو يفعل ذلك ؟ ! وما كان في لحظتها يؤدي شعيرة من الشعائر ! انما كان يؤدي عبادة اللحظة القائمة ، في المناسبة القائمة ، ويؤديها على مستوى القمة في الأداء !

وخذ هذه المرأة التي كانت تصرع فتتكشف ، فسألت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يدعو لها بالشفاء . فقال لها : ان شئت صبرت ولك الجنة ن وان شئت دعوت الله ، عز وجل ، أن يعافيك . قالت أصبر ! قالت : فاني أتكشف ، فادع الله الا أتكشف ، فدعا لها ..

وخذ سلمان الفارسي حين قام عمر ، رضي الله عنه ، على المنبر يقول : أيها الناس ، اسمعوا واطيعوا، فقال له سلمان : لاسمع لك اليوم علينا ولاطاعة ! فقال عمر ، ولم يغضب ، ولمه ؟ قال : حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي أئتزرت به ! فلم يغضب عمر ، ونادى ابنه عبدالله بن عمر فقال له : نشدتك الله ! هذا البرد الذي ائتزرت به اهو بردك ؟ قال : نعم ! .. قال سلمان : الآن مر ! نسمع ونطع !

هل كان أيهما يؤدي شعيرة من الشعائر ؟ انما كان يؤدي كل منهما عبادة ! سلمان يتعبد الله بالرقابة على أعمال الحاكم للتأكد من جريان العدل الرباني مجراه ، وعمر ، بروح العبادة في قمتها ، لايغضب من مساءلة الرعية له على متر زائد من القماش !

                                                     والى اللقاء في الحلقة القادمة

 

 



[1] سورة الأنعام : 162-163.

[2] أخرجه النسائي .

المشاهدات 1723   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك