هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


في أهمية دراسة التاريخ والحضارة ألأسلامية (5)
تاريخ الاضافة 
 

في أهمية دراسة التاريخ والحضارة ألأسلامية (5)

هناك ظاهرة التعامل مع (الآخر)  التي تمثل الوجه الآخر لحركة الفتح ، وهي تمس احدى القضايا الأكثر اهمية في اللحظات الراهنة فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، أو الموحد ، واشكالية حقوق الأنسان ، ولذا سنقف عندها قليلا لمتابعة بعض المقارنات .

في اعقاب فتح خيبر من العام السابع للهجرة وضع الفاتحون أيدهم على ملفات من أسفار العهد القديم وجاءوا بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان بمقدوره وهو المنتصر على فئة من الخصوم ما وجدت فرصة مشروعة أو غير مشروعة الا سخرتها لتدمير الأسلام والمسلمين ، والقضاء على رسولهم ودولتهم أن يأمر باحراقها ، لكنه صلى الله عليه وسلم ما لبث أن اعاد الى اليهود أسفاراهم دون أن يمسها باذى .

اسرائيل ولفنسون ، الباحث اليهودي المصري ، يشير في رسالة للماجستير عن تاريخ العلاقات اليهودية الأسلامية في جزيرة العرب ، الى هذه الواقعة باعجاب ، ويقول ان اليهود لايزالون يشيرون بالبنان الى سماحة نبي الأسلام وتفوقه على كل اغراءات التعصب فيما لم تفعله النصرانية في تاريخها كله وهي تكتسح خصومها [1].

يمكن مقارنة هذا بما فعلته محاكم التحقيق والكنيسة الكاثوليكية في الساحة الأندلسية ازاء التراث الأسلامي زمن انتصار فرديناند وايزابيلا وسقوط غرناطة ، آخر المعاقل الأسلامية هناك . لقد كانوا يصدرون أوامرهم بجمع هذا التراث ، دينيا او غير ديني ، ويركمونه اكداسا في الساحات العامة في قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغرناطة لكي يشعلوا فيه النار قبالة جماهير المسيحيين التي كانت تستدعى لمشاهدة ما سمته الكنيسة ب " أعمال الأيمان" .

وثمة احصائية تشير الى أنه لم يتبق من هذا التراث الذي بلغ ما يقرب من ثمانمئة ألف سفر ، سوى ثمانية آلاف وضعت في اقبية الأسكوريال في مدريد ، وهناك لأحقتها النار فاحرقت منها ستة آلاف اخرى ، حيث لم يتبق اليوم سوى ألفي مخطوط من ذلك التراث الخصب الذي غطى سائر فروع المعرفة الأنسانية والعلمية [2].

في عصر الراشدين ، رضي الله عنهم ، كانت قوات الفتح تنطلق الى جبهات القتال وهي تحمل أوامر صارمة من خليفة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالأ تغدر او تحرق او تخرب ن وبأنها ستمر على رهبان قد انعزلوا في صوامعهم فلا تروعهم او تعتدي عليهم . أوامر حذرتها من قتل المسالمين وارهاب النساء والشيوخ والأطفال ن بل حتى من قطع الأشجار واتلاف الزرع والضرع [3]. لقد كان قتالا متحضرا بمعنى الكلمة ، قتالا ضبطته قيم الدين الاتي من عنده ، فلم يرفع السيف ن وهو يلاحق السلطات الباغية ، قبالة كل الذين لم يمارسوا العدوان ، لقد جاء المسلمون لتحريرهم لا لقتلهم .

ونحن نجد قبالة هذا التعامل الأنساني العادل والصارم ، تجاوزا لكل الأعتبارات الأنسانية والأخلاقية في الممارسات القتالية الغربية ، فهي من أجل أن تحقق الأنتصار تبيح لنفسها كل اسلوب ومعظمنا يذكر ما فعلته أمريكا باليابان بعد اذ أدركت قدرة الأخيرة واستعدادها لأدامة الحرب العالمية الثانية لسنوات عدة أخرى بسبب امكاناتها القتالية والتكوين الأرخبيلي لمستعمراتها . فما كان من أمريكا الا أن ضربت اثنتين من أكبر المدن اليابانية : هيروشيما وناكازاكي بقنبلتين ذريتين دونما أي تمييز بين مقاتل ومسالم ، بين رجل أوشيخ او طفل او امرأة ، ودونما اي اعتبار للمظاهر الحضارية .

                                                    والى اللقاء في الحلقة القادمة



[1] تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الأسلام ، مطبعة الأعتماد ، القاهرة ، 1927 م ، ص.170 .

[2] ينظر بالتفصيل : محمد عبدالله عنان ، مواقف حاسمة في تاريخ الأسلام ، الطبعة الرابعة ، مؤسسة الخانجي ، القاهرة ، 1962 م ، ص. 326-329 .

[3] محمد بن جرير الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد ابي الفضل ابراهيم ، دار المعارف ، القاهرة ، 1961-1962 مج 3/226 ، 227 ، 492 ، 493 .

المشاهدات 1478   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك