هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


هذا حصاد الليبرالية اذا تجردت من الدين : انهيارالأسرة في الغرب !
تاريخ الاضافة 
 

هذا حصاد الليبرالية اذا تجردت من الدين : انهيارالأسرة في الغرب !
 
حديثنا هذا الشهر والأشهر القادمة هو موجه لجيل الشباب خاصة ، لأننا نعقد عليهم الامال في تحقيق النهضة التي اخفق جيلنا والجيل الذي قبله في تحقيقها لأسباب مبررة احيانا وغير مبررة احيانا اخرى ، ونحن عندما نتحدث مع هذا الجيل الصاعد فاننا نؤكد له اننا معه قلبا وقالبا في رفض كافة اشكال الوصاية ، كما واننا معه في الوقوف ضد كافة صور الأستبداد ، سواء كان ذلك باسم الأسرة أو الحزب أو القبيلة أو الطبقة كما تفعل كثير من أنظمة اليوم ، أو باسم الدين كما يفعل علماء السلطان ، أو باسم الأنتهازية كما يفعل انصاف المثقفين وتجار الفكر بيننا . غير ان كل المبررات السابقة لاتمنع من ان نقدم لهؤلاء الشباب النصائح القائمة على الحقائق العلمية المشاهدة التي قد تجنبهم كثيرمن الأخطاء التي وقعت فيها كثير من المجتمعات المعاصرة وهي تسعى من اجل حياة أفضل ، ونترك لهم بعد ذلك الخيار في الأخذ بهذه النصائح أو تركها، اما نحن فقد رضينا بالله ربا وبالأسلام دينا وبمحمد ، صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وهذا يعني ان الرسول الذي كرمنا الله به سيظل قدوتنا ومرشدنا في كل جانب من جوانب حياتنا ، واذا اخذنا شيء من غيرنا فاننا نحرص على ان يكون هذا المستورد منسجما مع ما تعلمناه من هذا الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، واي سلوك يتضارب مع نص قطعي من كتاب الله وسنة نبيه نضرب به عرض الحائط ولايعنينا .

ونحن كعادتنا سنظل نحاور ونحترم كل اخواننا واخواتنا الذين نختلف معهم في الراي سواء كانوا من جيل الشباب أو من جيل الشياب مهما تنوعت مشاربهم الفكرية كل ذلك من اجل تحقيق النهضة المنشودة لمجتعاتنا ، ونؤكد مرة أخرى ان هدفنا من هذا الحديث ليس تسجيل النقاط على او التقليل من دور اي تيار فكري ، ولكننا نرى في هذا الحوار الصريح حول ما نتفق عليه او نختلف حوله منهجا عمليا لردم الفجوة وتعميق المشتركات بين كافة شرائح المجتمعات الخليجية ، بدل اللجوء الى الطريق الأسهل ولكن الأكثرخطورة والأقل جدوى ، وهو الأقصاء أوالأنعزال اوالأستقطاب ، أوالتحالف مع الأستبداد . لذلك رأينا ان نجعل حديث هذا الشهر بمثابة جرس انذارلأبنائنا وبناتنا نؤكد من خلاله على ان الحرية في كافة مجالات الحياة اذا لم تضبط بمنظومة قيمية نابعة من الدين .. نعم من الدين وليس من أي منظومة قيمية أخرى ... فان هذه الحرية تتحول مع مرور الزمن الى حياة ملئها الشقاء والضنك وعدم الأستقرار، وهذا يدفعنا الى تنبيه اخواننا واخواتنا في هذه المجتمعات انه اذا كان جل طموحنا بعد الثورات العربية هو استيراد الديمقراطية الليبرالية بخيرها وشرها فاننا في الحقيقية امام اشكالية كبيرة نتمنى ان تتضح بعض ابعادها في هذه السلسلة حول افرازات الليبرالية في المجتمعات الغربية . فهناك شبه اجماع بين المناهج الفكرية سواء كانت ذات مرجعية دينية اوغير دينية بان نجاح وفشل اي منهج في تحقيق الأستقرار والأزدهار يعتمد على مدى حفظ هذا المنهج لما يعرف عند المسلمين بضرورات الحياة الخمس وهي : الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، لأن الأخلال بأي من هذه الضرورات يؤدي الى عدم تمكن الأنسان من العيش بامن وامان وعطاء وبناء ، ومن هنا فاننا سنرصد ما حصل لهذه الضرورات الخمس أو اكثرها في ظل الليبرالية الغربية منذ بداية الستينات . وقد رأينا ان لانكثر من التحليل الفلسفي المجرد أو الوعظ العاطفي وانما قررنا أن نجعل عقلاء الحضارة الغربية والمتابعون لأحداثها والمكتوون بآلامها يرسمون لنا صورة واقعية عن المسار الذي اخذته هذه المجتمعات منذ ان حدث فيها طلاق تام بين الليبرالية وبين القيم الدينية . وسنبدأ حديثنا هذا الشهر بتبيان الدورالذي تلعبه القيم المستمدة من الدين في جعل الحرية شجرة طيبة ، ثم ننتقل بعد ذلك لتوثيق حجم الحصاد المر الذي جنته الأسرة في المجتمعات الغربية نتيجة لعدم ضبط الحرية بهذه القيم ، ثم ننتقل في الأشهر القادمة الى رصد انعكاسات هذه القيم الليبرالية على النظام التعليمي والنشاط ألأقتصادي وعلى بقية مكونات المجتمع الغربي حتى يتضح للقاريء الكريم ان الحرية المجردة من القيم الدينية هي بمثابة الأنتحار الفعلي والشقاء الدائم .

القيم واستقرار المجتمعات !

ان القيم هي بمثابة صمامات الأمان التي تجعل الأنسان يتقن عمله ويعدل في حق غيره ويتعاون مع كافة أبناء مجتمعه من اجل تحقيق الأستقرار والأزدهار ، فهي اشبه بالكوابح التي تضبط نزوات ورغبات واهواء ومحدودية خبرة وقصر نظر الأنسان سواء كان رئيس دولة أو رجل اعمال أو زوج او مستهلك او جندي او غيرها من الأدوار التي يضطلع بها الأنسان في حياته اليومية . وهذه القيم لاتكون فاعلة في سلوك ألأنسان الا اذا استطاعت ان تؤثر على حوافزه من خلال الترغيب والترهيب ، والدين الذي يجعل نظام الحوافز ، اي الثواب والعقاب ، يتعدى هذه الحياة الى الحياة الآخرة ، يجعل الأنسان بتطلعه الى الثواب والعقاب الدائمين في الآخرة اكثر قدرة على العيش باتزان واعتدال وتراحم في هذه الحياة مصداقا لقوله تعالى : " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وابقى" [1]، اي انكم اذا اردتم الحياة الأفضل والأدوم في الاخرة فعليكم ان تكسبوها من خلال الأعمال الصالحة التي يأمر بها الدين في هذه الحياة الدنيا وان لاتتعدوا على حقوق غيركم . أما الحوافز التي تقتصر على الدنيا وحدها فان تأثيرها على اداء الأنسان محدود مع مرور الزمن ويمكنه ان يتهرب منها بطريقة او بأخرى ، كما سنرى في حديثنا حول الليبرالية وآثارها .
 
وقد أكد الرئيس الأمريكي الثاني ، جون أدمز ، في كثير من كتاباته وخطبه أن الدين والمباديء الأخلاقية المنبثقة منه هي وحدها تمثل صمامات الأمان للحرية وممارستها ، ومن غير هذه القيم ستخفق الممارسات الديمقراطية في حماية الحرية وتحقيق الأستقرار ، ويضيف قائلا ان الدستور الأمريكي قد وضع لمجتمع متدين ويتحلى بالقيم ذلك أن الحكومة الأمريكية ليست لديها القدرة للسيطرة على أو لكبح جماح الأهواء والنزوات الأنسانية الغير منضبطة بالقيم [2]. وقد اصاب ادامز في تشخيصه لأن الكنيسة الغربية بتحريفها لرسالة المسيح عليه السلام كانت قد اوجدت فجوة بين الدين والحياة ، وبدأت هذه الفجوة في الأتساع حتى تم طلاق شبه تام بين الأثنين بظهور الليبرالية المنفصلة عن الدين منذ بداية الستينات ، وهكذا انفلتت الغرائز البشرية التي ذكرها الرئيس آدمز من عقالها في كل اتجاه ، تعمر هنا وتدمر هناك ، وتدميرها ، كما سنرى لاحقا ، اكبر من تعميرها . ففي المجتمعات الغربية اليوم  ليس هناك نقص في الموارد ، أو المعرفة ، أو المؤسسات ، اوحتى في القوانين ، ولكن المصيبة هي في غياب القيم التي تضبط استخدام الأنسان لهذه الأمكانيات ، أو بمعنى اصح ، عدم قدرة القيم الليبرالية التي انتشرت لديهم منذ الستينات وابتعدت كليا عن القيم الدينية ، ثم تمت عولمتها ، عدم قدرة هذه القيم على كبح جماح الغرائز والأهواء البشرية بانواعها وتهذيبها ، واذا بهذه الحرية تتحول الى معول تهديم في عقول واعراض وارواح واموال البشر، واذا بها تفرز مجتمعات في ظاهرها النعمة وفي باطنها عذاب التفكك الأسري ، وتراجع الأداء المؤسسي ، وارتفاع معدلات الجريمة ، وتراجع الثقة بين الأفراد ، وغيرها من الأفرازات التي تشير الى ضنك المعيشة والتي شنكشف بعض منها في هذه السلسلة .

وليس ادل على ما نقول من ما يؤكده الأقتصادي الأمريكي بجامعة كولومبيا ومستشار الأمين العام للأمم المتحدة ، جيفري ساك ، في آخر كتاب له بان الأزمات التي يعيشها المجتمع الأمريكي هي بسبب القيم الليبرالية التي جعلت الفرد يتصف بقصر النظر والأفراط في سلوكه حيث انه اصبح يدمن الأستهلاك على حساب الأدخار، ويتمادى في تحقيق رغباته الشخصية على حساب مجتمعه ، وفي عمله على حساب راحته ، مؤكدا سقوط وهم الليبرالية القائل بان الأنسان اذا ترك وشأنه من غير تقييده بقيم او مسؤوليات سياسية قادرعلى ان يحقق سعادته. هذا الأخفاق للفللسفة الليبرالية هو الذي يجعل ساك يطالب في كتابه المذكور بعودة المجتمع الأمريكي الى "النهج الوسطي" في الحياة الذي اكد عليه ، كما يقول هو ، كل من بوذا وارسطو [3]. ونحن بدورنا نؤكد لهذا الكاتب انه لو اطلع على رسالة الأسلام التي بعث بها محمد بن عبد الله ، عليه افضل الصلاة والتسليم من منباعها الأصيلة والنقية ، وليس عبرمواصيرالأستبداد وعلماء السلطان ، لوجد انها قمة الوسطية والعدل والرحمة ، ولكن يكفينا من هذا الكاتب اقراره بالمأزق الذي وصلت اليه الحياة الغربية في ظل الليبرالية . وقد يتساءل القاريء الكريم عن سبب استشهادنا بامثلة كلها من الغرب وردنا هو اننا تعمدنا ذلك لأن المجتمعات الغربية تمثل النموذج الذي يتطلع اليه الكثيرون بيننا اليوم ، كما ان تلك المجتمعات قد تجذرت فيها القيم الليبرالية المنفصلة عن أي مرجعية دينية وبدات آثارها واضحة للعيان ، ونحن لاننكر طبعا ان في هذا النموذج الغربي كثير من النقاط المضيئة التي ساعدت على كثير من الأنجازات المادية التي نشاهدها اليوم ، ولكن هذه الأنجازات يجب ان لاتعمينا عن الخلل الكبير في منظومة القيم الليبرالية التي وللأسف بدات تنعكس سلبا على كثير من الأنجازات التي حققها الغرب ، وهذا ليس قولنا نحن فقط وانما هي شهادات عقلاء الغرب وخبراءه ، مما يحتم علينا الأعتبار والتدبر بدل التقليد الأعمى وتكرار الأخطاء . وفي اعتقادنا ان أنبهار الكثيرين من بيننا اليوم بالنموذج الغربي والأبتعاد عن قيمهم الأسلامية يعود الى سوء استغلال الدين في مجتماعتنا من قبل الأنظمة المستبدة وعلماؤها ، ويعود كذلك الى اكتفاء هؤلاء الأخوة والأخوات بالمظاهر الخارجية الجذابه لليبرالية الغربية ، فهم وللأسف اقرب الى من يتذوق حلاوة العسل من غير ادراك للسم الذي يحتويه ، ولكن آثار السم القاتلة تخرج عادة بعد حين ، وسنرى في ما يلي بعض السموم القاتلة التي افرزتها الليبرالية في الغرب ونترك للقاريء الحكم . وسنحصر حديثنا عن هذه ألاثارفي ثلاث مجالات توفرت لدينا معلومات عنها هي الأسرة والمؤسسات التربوية والأقتصاد ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر لأن المقام لايتسع للحديث عن بقية اصعدة الحياة التي بدأت هذه القيم تنخر فيها كالسوس وتخربها ، وسنبدأ هذا الشهر بالأسرة .


هكذا تفككت الأسرة

 لقد كانت الأسرة في الغرب هي اول ضحايا القيم الليبرالية ومنها انتشر الفايروس الى بقية اصعدة الحياة في المجتمعات الغربية المعاصرة ومن خلال العولمة الى كثير من المجتمعات الأخرى ومنها منطقتنا العربي . ففي عام 1973 صدرت وثيقة بأسم رائدتين في الحركة النسائية الأمريكية المعاصرة نوردها بالنص لأهميتها . تقول الوثيقة المعنونة " البيان النسائي" ما يلي :
" الزواج هو مؤسسة وجدت لمنفعة الرجل وهو وسيلة مشرعة للسيطرة على النساء .. وعلينا أن نعمل على تدميره لأن نهاية مؤسسة الزواج هو شرط أساسي لتحرير المرأة . لذلك يتحتم علينا تشجيع النساء على ترك أزواجهن وعدم العيش معهم على أنفراد .. ويجب أن تعاد كتابة التاريخ حول قضية اضطهاد المرأة . علينا أن نعود الى أديان النساء القديمة كممارسة السحر والشعوذة" [4].  
وهذه الكاتبة الفرنسية المعروفة والناشطة في مجال تحرير المرأة تبين لنا بكل وضوح الغاية من الدعوة لتحرير المرأة في مقابلة مع مجلة النيويورك بقولها :
" ستظل المرأة مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الأسرة وخرافة الأمومة والغريزة الأبوية"[5] . 

لقد اكدت جميع الديانات على ان الغالبية العظمى من القيم ، هي ليست نسبية بل انها ثابتة لأن تغيرها يعني ببساطة انحدار المجتمع وتخبطه ، ولكن الليبرالية جاءت لتنسف هذا المبدا وتجعل القيم نسبية اي خاضعة للزمن ولأهواء البشر . فالأسلام وغيره من الديانات السماوية عرف الأسرة التقليدية انها مكونة من الأب والأم والأولاد ، وحرم أي علاقة جنسية خارج دائرة الزوجية ، وحدد واجبات وحقوق كل طرف من اطراف الأسرة تجاه بقية الأطراف تحقيقا لأستقرارالأسرة وحماية للمجتمع ، غيرأن الليبرالية الغربية ضربت عرض الحائط بهذا المفهوم واطلقت العنان لنزوات الفرد ليتصرف كما يشاء ، فالليبرالية ، كما راينا من الأستشهادين السابقين ، ليست لديها مرجعية في تعريف الفضيلة والرذيلة او الحق والباطل ، وانما هي تترك اهواء البشر تجرفهم حيث ما شاءت غير مكترثة بالنتائج ، وهذا ما حصل فعلا في الغرب . ففي بداية الستينات كانت العلاقات الجنسية قبل الزواج محرمة ويعاقب عليها القانون ، ولكن الرغبات الليبرالية اسقطت هذا المحضور ، فاصبحت هذه العلاقات منذ منتصف الستينات مقبولة ودارجة ، وقد واكبت هذه العلاقات غير الشرعية ظاهرة الحمل غير المقصود فاصبح ألأجهاض الذين كان محرما سابقا ، خاصة اذا تكون الجنين ، امرلابد منه فتمت اباحته . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، فقد تحولت العلاقات الجنسية المثلية من سلوك شاذ ومدان الى حق من الحقوق التي لابد من حمايتها في ظل تزايد عدد الممارسين لها ، ثم اصبح الزواج المثلي حق آخر من الحقوق ، وهكذا دواليك .

وفي هذا الصدد يقول السناتور باتريك مونيهان ، ممثل نيويورك السابق ، وهو السياسي المخضرم الذي خدم عدد من الرؤساء الأمريكان من الحزبين ، ان المجتمع الغربي تعرض لعملية " تطبيع على الأنحرافات الجنسية " مما هبط بمنظومته القيمية عن السابق ، وهكذا كانت بداية النهاية للأسرة [6]. ثم اعطيت هذه الأسرة اسم جديد يتناسب مع اعادة الهيكلة أو" المسخ " اذا شئت الذي تعرضت له وهذا الأسم هو " المنزل"[7] ، الذي قد يضم كل تشكيلات العلاقات الجنسية التي ذكرنا بعضا منها سابقا وما سيبتكر في المستقبل . هذا الخروج على مفهوم الأسرة المكونة من رجل وامراة واولادهما ان وجدوا فتح الباب ، كما يؤكد بيل بينيت ، وزير التعليم الأمريكي السابق، لكل انواع الشذوذ [8] .وقد يكون ادق وصف لما حصل للأسرة الغربية منذ الستينات هو ما قاله السناتور باتريك مونيهان الذي سبق ذكره ، وهو بالمناسبة ليبرالي ، ولكنه من النوع الذي يؤمن بالمرجعية الدينية ، فعندما سئل عام 2000 عن أكبر تغير شهده خلال حياته السياسية التي دامت اربعون عاما كان رده على النحو التالي : " أكبر تغير في اعتقادي هو ان كيان الأسرة قد تفكك في كل منطقة شمال الأطلنطي" ، واضاف قائلا : " شيء لم يكن متخيلا قبل أربعين سنة قد حدث فعلا" [9]. و يقول احد أساتذة العلوم السياسية الأمريكية ، لقد تم فصل الأم عن ابنائها وزوجها ، وتحولت الأسرة التقليدية الى كيان غريب اي " لااسرة" [10].

ويؤكد باتريك بوكانون ، مرشح الرئاسة ألأمريكية السابق ومستشار ثلاثة من الرؤساء الأمريكان ، ان الغرب يقوم في الوقت الحاضر بتصدير كافة وسائل تدمير الأسرة من موانع الحمل واساليب التعقيم والأجهاض الى العالم الثالث والى الدول ألأسلامية ، ويضيف متسائلا : مالذي سيجعل المسلمين ينتحرون كما انتحر الغرب حيث اصبح النمو السكاني فيه سالبا أو قريب من السالب ، اي ان عدد المواليد لم يعد يغطي عدد الوفيات سنويا بسبب هذه الوسائل وغيرها من وسائل تفكيك الأسرة وتهميشها ؟[11]. وفي كتاب آخر يؤكد بوكانون على انه في ستينات القرن الماضي شهد الغرب ثورة على كل منظومة القيم النابعة من الدين المسيحي في ما يتعلق بالطلاق والشذوذ والأجهاض وقد تم ابعاد قيم الدين من المدارس العامة [12]. ويرى بيل بينيت ، وزير التعليم في ادارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان ، ان تفكك الأسرة الأمريكية يعود الى" التحول الجذري في القيم المتعلقة بالثقافة والحرية والشخصية والجنس التي انتشرت منذ منتصف وحتى آخر الستينات ، والتي تجذرت في السبعينات من القرن الماضي ، وقد اتصفت هذه القيم بالتأكيد المفرط على الحرية الفردية وعدم التقيد بالقيم وعدم احترام المؤسسات التقليدية كالأسرة" [13]. أما الرئيس الأمريكي الأسبق ، جيمي كارتر ، فقد أكد هذا الأنحراف القيمي الذي بدأ يظهر في المجتمع الأمريكي عندما ذكر في كتابه " قيمنا المهددة : أزمة أمريكا الأخلاقية " الصادرعام 2005 ، " أن أكثرية الأمريكان اصبحت لاتعارض العلاقات الجنسية المثلية [14]. ويؤكد استاذ ألأقتصاد بكلية لندن للأقتصاد ، اللورد ريتشارد ليرد ، بأن اكتشاف موانع الحمل في أواخرالستينات اضافة الى ثقافة التحررالجديدة التي كانت تروج لها وسائل الأعلام الليبرالي انعكست سلبا على الأسرة حيث اصبحت العلاقات الجنسية قبل الزواج مقبولة ، ثم انتشرت العلاقات الجنسية خارج العلاقات الزوجية ، وقد كانت بيئة العمل المختلط احد العوامل المساعدة على ذلك [15]. وحتى روبرت ريش ، وزير العمل في ادارة الرئيس كلنتون ، واحد الليبراليين المعروفين ، لايخفي امتعاضه من الطريقة التي اصبحت بها الشركات الكبيرة تروج للجنس وتحول جسد المراة الى سلعة من اجل كسب بلايين الدولارات من بيع الأفلام والموسيقى والمجلات والملابس والمساحيق التجميلية [16]. هذا ما قاله عقلاء الغرب عن التحولات القيمية في ظل الليبرالية وآثارها على الأسرة كأهم مكونات المجتمع ، غير ان لغة الأرقام هي اكثر تعبيرا عن مظاهر انهيار الأسرة في الغرب فلابأس من الأستشهاد ببعضها ، فقد انتقل المجتمع الأمريكي من مجتمع غالبية نساؤه يقمن برعاية الأسرة الى مجتمع يطغى عليه عمل الأبوين خارج البيت مع ترك هؤلاء الأبناء لدور الحضانة . فعلى سبيل المثال ارتفعت نسبة النساء المتزوجات والعاملات اللواتي لديهن أبناء دون السادسة من العمر من أقل من 20 % عام 1960 الى اكثر من 60% عام 1996 .

ومنذ الستينات تراجع معدل الزواج بنسبة 33% ، بينما تضاعفت نسبة الطلاق خلال الفترة نفسها لتصل الى أكثر من 50% ، في الوقت الذي تزايدت فيه نسبة النساء اللواتي لم يتزوجن أبدا لتصل الى أكثرمن 68% . اما نسبة النساء اللواتي لم يتزوجن أبدا من الفئة العمرية ما بين 25 و29 فقد ارتفعت من 10 % عام 1970 الى 35% عام 1995 [17]. وتشير احدث البيانات الى عزوف النساء عن انجاب الأطفال ، فبحسب احدث الأرقام فان حوالي 20% من النساء في الفئة العمرية ما بين 40 و45 لم ينجبن اطفالا في حياتهن وهي ضعف ما كانت عليه النسبة في منتصف السبعينات . وتشير بعض المصادر الى ان الأستقلال المالي للمرأة العاملة الممزوج بقيم الليبرالية التي لم تعد تعطي الأسرة الأهمية التي كانت تحضى بها في ظل القيم الدينية ، كان له اثر سلبي على حرصها على استمرار الأسرة ، ففي الستينات من القرن الماضي كانت نسبة 50 % من النساء في الولايات المتحدة تفضل الحفاظ على الأسرة حتى مع وجود الخلافات الزوجية طالما كان هناك أولاد ، غير ان هذه النسبة انخفضت الى اقل من 25% عام 1977 [18]، طبعا لابد من التذكير بأن ألأستقلال المالي وحده لاعيب فيه ، فالمرأة المسلمة سبقت كل نساء العالم في الحصول على استقلالها المالي منذ اكثر من 14 قرن ولكنه ظل استقلال في اطار منظومة قيمية تحفظ الأسرة وتضعها كأول الأولويات . في ظل التراجع السابق للقيم المتعلقة بالأسرة كان من الطبيعي أن تبرز مشكلة أخرى وهي ظاهرة ألأبناء غير الشرعيين الذين تزايدت نسبتهم لتصل في العام 1994 الى أكثرمن 50% من المواليد الجدد في الولايات المتحدة ، وترتفع هذه النسبة الى اكثر من 70% بين السود ، كما وأن أكثر من 75% من مواليد الفئة العمرية دون العشرين عام هم غير شرعيين .

وفي 15 مدينة من أكبر مدن الولايات المتحدة تصل هذه النسبة الى اكثر من 90 % . ثم انتشرت بعد ذلك ظاهرة " التعايش" ، اي ان يسكن شخصان أو أكثر في بيت واحد من غيررابطة زوجية أواسرية بالمفهوم التقليدي ، وقد تكون علاقتهم طبيعية أو مثلية ، وقد يكون لديهم كذلك اولاد غير شرعيين ، وقد زاد عدد هؤلاء خلال الفترة 1966-1998 بحوالي 11 ضعف ، واصبح عددهم الأجمالي مع بداية الألفية الثانية يزيد على خمسة ملايين ونصف [19]. ومن المظاهر الأخرى لتفكك ألأسرة كذلك تزايد عدد ألأسر التي يرعاها شخص واحد فقط ، اي اما الأب أو الأم مع ألأبناء ، فعلى سبيل المثال ارتفعت نسبة هذا النوع من الأسر ما بين عامي 1960 و2000 من 9% الى 27% في الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن 6% الى 21% في بريطانيا [20]. اضافة الى ما سبق ادت القوانين التي واكبيت هذه التحولات القيمية الى تشريع الأجهاض وفي مراحل متأخرة من عمر الجنين أي بعد تشكله ، مما نتج عنه زيادة في حالات الأجهاض في الولايات المتحدة من حوالي 6000 حالة عام 1966 الى حوالي 600 ألف حالة عام 1973 ، ثم الى اكثر من 1.5 حالة في السنة مع بداية الألفية الثانية . ولم تنتهي عملية الأستهانة بالروح البشرية وبمفهوم الأسرة في ظل الليبرالية عند الأجهاض ، بل انها امتدت الى كبار السن فبرزت ظاهرة " القتل الرحيم " الذي يتم بموجبه التخلص من كبار السن ذوي الأمراض المزمنة على اعتبار انهم اصبحوا عبئا على المجتمع وان كانت هذه الجريمة قد سميت جورا "بالقتل الرحيم" [21]. وقد لاتكون هذه نهاية الأنحداراذا تذكرنا ان حتى الكنائس اصبحت تعقد القران بين المثليين او الشاذين جنسيا في السنوات الأخيرة ، وان الرئيس الأمريكي اوباما قد اعلن في بداية ترشحه لفترة رئاسية ثانية خلال شهر مايو 2012 بانه لايعترض على الزواج المثلي . وقد لايكون مستغربا ان يوجد الشذوذ الجنسي طالما انه ظل شذوذا يدينه المجتمع كما هو الحال في كل المجتمعات البشرية عبر التاريخ ، اما ان يكون مقنن في دساتير الدول وتحتفل به الكنائس كما هو حاصل في الغرب اليوم ، فهذا يعني ، كما قال مونيهان ، اننا بصدد عملية تاقلم على ألأنحدار الأخلاقي .

فهل يمكن لأحد بيننا اليوم ان يقول بأن ما حدث في الغرب من تفكك للأسرة خلال اربعين سنة ، كما أكد السناتور مونيهان ، لن يحدث لنا في فترة اقل بكثير في ظل ما يشهده عالمنا من ثورة معلوماتية غير مسبوقة ؟ بل هل هناك ما يؤكد بان هذا التفكك لم يبدا فعلا في مجتمعاتنا العربية ولم ندركه بعد لأن البيانات لدينا قاصرة من حيث الجمع والتحليل والنشر ؟ وأليس هذا الأنحدار الذي تعاني منه الأسرة في الغرب بسبب القيم الليبرالية والذي بدا ينتشر ، في اداء النظام التعليمي ، وفي النشاط الأقتصادي ، وفي بقية مناحي الحياة الغربية ، نقول اليس هذا هو السبب لصعود تيارالمحافظين الجدد في السنوات العشرين الأخيرة، وان كنا نعتقد انهم بتطرفهم سيزيدون الطين بلة خاصة اذا تذكرنا ان اخفاقهم في القيم المالية والأقتصادية او القيم العامة لايقل عن اخفاق الليبراليين في القيم الأسرية أو القيم الخاصة ؟ وهل يمكن فصل كل هذه التطورات عن كثرة الحديث في السنوات الأخيرة عن بداية تراجع الدور الحضاري للمجتمعات الغربية مقابل بعض الدول الشرقية خاصة الصين . فالصين وغيرها من دول شرق اسيا لازالت عصية على القيم الليبرالية الغربية ، بل ان كثير من المراقبين والباحثين يؤكدون على ان جزء كبير من القيم الليبرالية ذات المنبت الغربي سواء تعلقت بحقوق الأنسان ، او بالديمقراطية ، او بالنظام الأقتصادي ، وهي المكونات الرئيسية لما يعرف بالديمقراطية الليبرالية ، هي ليست عالمية كما يدعي الغرب ، بل ان هناك ضرورة لتفصيلها على منظومة المعتقدات والقيم التي تؤمن بها الشعوب غير الغربية ، والا فانها ستصبح عقبة في طريق نهضة هذه الشعوب ، ومن هنا تأتي مقولة " القيم الآسيوية" التي تدور في الغالب حول القيم الكونفوشسية التي تؤمن بها غالبية شعوب شرق آسيا ، كسبب لنهضة شرق آسيا عبر الثلاين سنة الأخيرة [22]. فاذا كان الآسيويون يعتقدون باهمية الحفاظ على قيمهم الكونفوشسية واستخدمها كمعيار للتعامل مع الليبرالية الغربية اخذا وتركا ، فهل يعقل ان تقبل الأمة التي جعلها الله امة وسطا ووضعها في مرتبة الشهادة على بقية الأمم ان تتحول الى حاطب ليل لايدري اذا كان قد جمع حطبا ام عقاربا وحيات تودي بحياته في فترة لاحقة ؟

وعلى الرغم من اننا سنعود الى توضيح الكيفية التي تحفظ بها منظومة القيم الأسلامية الضروات الخمس التي ذكرناها سابقا الا اننا نود ان نختم بالقول ان هذه المنظومة هي ليست قيود تكبل الفرد ، كما يتوهم البعض ، وانما هي ضوابط تحفظ كيان ألأسرة بالضبط كما تحفظ خطوط ملعب كرة القدم اللاعبين من تعريض افرقتهم للمخالفات التي يتعرضون لها في حالة خروجهم على هذه الخطوط ، اوبشكل أدق اننا لسنا ضد عمل المرأة طالما انه منضبط باولويات الأسرة ويحفظ كرامة المرأة ولايحولها الى سلعة رخيصة ، فما قيمة عمل المرأة اذا كان على حساب تربية الأبناء أو استقرارالحياة الزوجية ؟ وهناك كذلك من علماء الأمة من لايرى حرجا في استخدام موانع الحمل طالما انها تستخدم داخل الأسرة وبموافقة الزوجين ولضرورة مبررة ، بدل ان تكون وسيلة لتدمير هذه الأسرة ، بل ان بعض المجامع الفقهية احلت استخدام تقنية طفل الأنبوب اذا كانت العملية معتمدة على استخدام بويضات الزوجة والحيوان المنوي من الزوج ، ولكنها حرمت بقية صورهذه العملية التي ينتج عنها نوع أو آخرمن انواع اختلاط ألأنساب كاستخدام امرأة حاضنه ، وهكذا ترتقي القيم الأسلامية بجميع ممارسات الأنسان وتنقيها سواء كانت في دائرة العلاقات الأسرية أو في ألأستفادة من المبتكرات العلمية أو في ادارة الموارد الأقتصادية أو في غيرها لتظل الحضارة البشرية في حالة صعود متجنبة الأهواء وقصر النظر وسوء الأدراك لطبيعة الأنسان وكونه مصداقا لقوله تعالى :  "الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [23].  
 


            والى اللقاء في الجزء الثاني

 


[1] القرآن الكريم ، سورة الأعلى ، ألايتان : 16-17 . 
[2]Jim Nelson Black , Free Fall of the American University ( Nashville( Tennessee) : WND Books,2004) , p.211.
  
Jeffrey D. Sachs, The Price of Civilization ( New York: Random Home, 2011), p.p:162-165.
[4] Fr. Ted Colleten, " Family Is Key to Social Integration," Interim, May 1998, p.1.
[5] علي عزت بيجوفيتش ، الأسلام بين الشرق والغرب ( ميونيخ : مؤسسة بافاريا للنشر والأعلام والخدمات ، 1994) ، ص.258 .
[6] Daniel Patrick Moynihan ,"Defining Deviance Down," The American Scholar, Winter 1993, p.17
[7][7][7] مصطلح ألأسرة التقليدية Family، اما المصطلح الجديد فهو Household اي المنزل .
[8] William Bennett , The Broken Heart ( New York: Broadway Books, 2001) , p.113.
[9] William Bennett , The Broken Heart ( New York: Broadway Books, 2001) , p.1.
[10] James Kurth, "The American Way of Victory," National Interest, Summer 2000, p.5.
[11] Patrick J. Buchanan, The Death of the West ( New York: Thomas Dunne Books, 2002) , pp.25-49.
[12] Patrick J. Buchanan, The Day of Reckoning ( New York: St. Martins Press, 2007) , p.176.
[13] William Bennett , The Broken Heart ( New York: Broadway Books, 2001) , p.17.
[14] Jimmy Carter, Our Endangered Values:Americas Moral Crisis ( New York : Simon & Schuster, 2005) , p.69.
[15] Rid Layard , Happiness (New York: The Penguin Press, 2005), p.84.
[16] Robert Reich, Reason: Why Liberals Will Win the Battle for America ( New York : Vintage Books, 2005), p.61.
[17] P. Buchanan, The Death of the West ( New York: St. Martins 2002) , pp.36-37.
[18] D. Ellwood and C. Jencks (2004) , " The Spread of Single-Parent families in the United States since 1960," in D. Monihan, L. Reinwater, and T.Smeeding (eds.) , Public Policy and the Future of the Family, New York: Russell Sage foundation.
[19] William Bennet, The Broken Hearth (New York : Broadway Books, 2001) , pp.8-14.
[20] Rid Layard , Happiness (New York: The Penguin Press, 2005), p.79.
[21] Robert Bork, Slouching Toward Gomorrah( New York: Reganbooks, 2003) , pp.172-192.
[22] Daniel A. Bell, Beyond Liberal Democracy (Princeton : Princeton University press, 2006) , pp.1-19.
[23] القرآن الكريم ، سورة الملك ، ألاية :14
 

المشاهدات 4382   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك