هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (15)
تاريخ الاضافة 
 

 

                       مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم العبادة (15)

وخذ هذا الرجل الفقير وامرأته ، اذ هم الرجل أن يشكو فقره الى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ليعطيه ما يذهب عنه فاقته ، فتقول له امرأته : أتشكوا الله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فيحجم الرجل ويصبر !

الم تكن هذه لحظة عبادة ؟ وفي القمة من العبادة ؟ !

وخذ هذا الرجل الذي خرج للقتال وفي يده تمرات ، فاعجلته ريح الجنة فلم يصبر ، فرمى التمرات من يده وهو يقول : لئن بقيت حتى أنتهي من هذه انه لأمر يطول !!

كيف تسمى هذه اللحظات الفائقة ..ان لم تكن لحظات عبادة في أعلى القمة من العبادة ؟ !

كذلك كان الصحابة &ndash رضوان الله عليهم &ndash يعبدون ربهم ..

يعبدونه بالصلاة والنسك ..

ويعبدونه بالعمل ..

ويعبدونه بالترويح النظيف الطاهر الذي يمنع العمى عن القلوب ..

وفرق كبير بين أن تقتصر العبادة على الصلاة والنسك والشعائر، ويخرج منها العمل والترويح ، وبين أن تكون كلها عبادة ، يتنقل الأنسان فيما بينها ساعة بعد ساعة ، ولكنه لايخرج في أي ساعة من دائرة العبادة التي يتوجه فيها القلب الى الله ، ويلتزم فيها بأوامر الله .. فارق في النظافة النفسية والسلوكية ..

وفارق في نوع "الأنجاز" الذي يقوم به الأنسان في الأرض ، فردا كان أو جماعة ..

أما فارق النظافة فواضح .

فحين يكون العمل عبادة فلن يدخله الغش ، ولا الخيانة ، ولا الكذب ، ولا الخديعة ، ولا الأفتئات على حقوق الناس بالجور والظلم ، ولا ارتكاب المحرمات من اجل الكسب او التسلط او المتاع ..

وحين يكون الترويح عبادة فلا يمكن أن يسفل ، وأن يتفه ، وأن يسف ، ولا أن يهبط بانسانية الأنسان كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة في ألوان " اللهو" المبذول في كل مكان ، والذي يزين كل فاحشة او شاذة للناس .

وأما الأنجاز فقد يخيل لبعض الناس اليوم أن أضخم انجاز في التاريخ هو الأنجاز الذي قامت به أوروبا في عصرها الحاضر .. وقد قامت به وهي بعيدة عن " الدين" وعن عبادة الله ..

وهنا لابد من التنبيه الى مجموعة من الحقائق ..

فقد انجزت الحضارة المادية المعاصرة انجازا ضخما لاشك فيه في بعض جوانب الحياة ، ابرزها التقدم العلمي الهائل ، والتقدم التكنولوجي الذي استخدم ثمار العلم في تيسير الحياة وتخفيف الجهد عن الأنسان ، وعبقرية التنظيم التي تسهم بدورها في تيسير الحياة وتخفيف الجهد وتوفير كثير من الوقت ، وبعض الجوانب " الأنسانية " الأخرى المتمثلة في " الحقوق" و" الضمانات" التي يتمتع بها الناس هناك .

ولكن الحصيلة النهائية لهذه الحضارة المادية بعيدة كل البعد عن أن تكون صورة مشرقة " للأنسان" أو صورة مشرفة له ، رغم كل الجوانب المضيئة فيها ، بسبب ما تحمله من جور سياسي واقتصادي واجتماعي ، واستعمار، وانتهاك للحرمات ن وقذارة حسية ومعنوية ، وتحلل أخلاقي ، وانطماس روحي ، وانتكاس نفسي ، وهبوط بالأنسان من مكانه اللائق الذي خلقه الله له ، وكرمه به ، لكي يصبح في النهاية عبدا ذليلا لكل شيء .. الا الله ! [1].

وهذا هو مفرق الطريق بين الأنجاز الأوروبي المعاصر وانجاز الأمة الأسلامية حين كانت حياتها قائمة على التطبيق الصحيح للأسلام ..

ان ما تقوم به أوروبا ليس هو الذي قامت به الأمة ألأسلامية الأولى ن ولاقريبا منه ، وان اختلطت بعض أجزاء الصورة في بعض الأذهان .

ان الذي قامت به الأمة الأسلامية الأولى لم يكن مجرد التوسع والفتح ، والغلبة والسلطان ن ولامجرد اقامة حركة عليمة او حركة حضارية أو عمارة مادية للأرض .. فهذا كله من العطاء الرباني الذي يمنحه الله للكفار وللمؤمنين سواء :

" كلا نمد ، هؤلاء وهؤلاء ن من عطاء ربك ن وما كان عطاء ربك محظورا" [2].

 وقد كان لكثير من الجاهليات التاريخية نصيب منه :

" أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ كانوا أشد منهم قوة ، واثاروا الأرض ، وعمروها أكثر مما عمروها ، وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون " [3].

"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" [4].

انما الذي صنعته الأمة الأسلامية هو اقامة هذه العمارة وهذه الحضارة وهذه القوة الغالبة الساحقة على أساس من القيم والمثل لم تتحقق في صورة واقع عملي سلوكي الا في تاريخ هذه الأمة الفريدة في التاريخ .

                                                والى اللقاء في الحلقة القادمة

 

 

 


 

[1] اقرا ان شئت فصل " الديمقراطية " من كتاب " مذاهب فكرية معاصرة" .

[2] سورة الأسراء : 20 .

[3] سورة الروم : 9-10 .

[4] سورة غافر : 83 .


المشاهدات 2554   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك