هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


في أهمية دراسة التاريخ والحضارة ألأسلامية (6)
تاريخ الاضافة 
 

في أهمية دراسة التاريخ والحضارة ألأسلامية (6)

السير (توماس أرنولد) ، المستشرق الأنجليزي المعروف ، عكف أربعين سنة على تأليف كتابة " الدعوة الى الأسلام" ، وتابع مفردات انتشارالأسلام وتعامله مع المغلوب على مدى ثلاثة عشر قرنا ونصف ، مستمدا مادته من أدق المصار التي تنبيء بها تهميشاته الغنية ، وهو يقدم في كتابه هذا استنتاجات غزيرة قد يكفي منها استنتاج واحد يقول : ان تاريخ الدعوة الأسلامية لم يسجل منذ لحظاتها الأولى وحتى زمن الأنتهاء من تأليف الكتاب في الربع الأخير من القرن الماضي حالة واحدة أكره فيها غير المسلم على اعتناق ألأسلام [1].

هذا بينما ارغمت السلطة والكنيسة الأسبانيتين شعبا بكامله يبلغ تعداده أكثر من مليوني واربعمئة ألف على التنصر او الهجرة او القتل في واحدة من أبشع صيغ التعامل مع المغلوب في تاريخ الأنسان [2].

هناك &ndash ثالثا &ndash ما يمكن تسميته بالأممية ألأسلامية التي شهدها هذا التاريخ . لقد منحت كل الشعوب والجماعات التي انضوت تحت مظلة هذا الدين فرصتها في الحياة والتحقق والتعبير عن الذات . لقد كان المجال مفتوحا بمعنى الكلمة ، حيث سمح حتى للعبيد والمماليك ان يواصلوا الصعود الى فوق ويشكلوا دولا ، بل أن غير المسلمين انفسهم منحوا حقهم المشروع في المجالين المدني والديني على السواء ، فليس ثمة يهودي او مسيحي أو مجوسي او بوذي او صابئي لم يجد الطريق مفتوحا أمامه للتعبير عن ذاته وقدراته ، وممارسة حرياته الدينية ، وأخذ موقعه المناسب في نسيج الحياة الأجتماعية او دوائر الأدارة والمال .

ان هذه الأممية انفتحت على سائر صيغ التعددية العرقية والدينية والمذهبية واللونية والطبقية ، فلم تبن ازاء أي منها سدا او تحول بينها وبين الصعود ، وهي أممية تختلف في أساسها عن الأممية الماركسية التي سعت &ndash ابتداء &ndash وبحكم قوانين التنظير الصارمة ، الى الغاء التنوع ، ومصادرته ، والى تحقيق وحدة قسرية ما لبثت أن تأكد زيفها وعدم القدرة على تنفيذذها تاريخيا [3]. وبمجرد القاء نظرة على خارطة الأتحاد السوفيتي حتى قبل حركة البريسترويكا والرفض المتصاعد الذي جوبهت به الأممية الماركسية من قبل حشود الأقوام والشعوب التي تنتمي الى أصول وبيئات متنوعة ، ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الأسلامي من تبلور كيانات اقليمية متغايرة في أطار وحدة عالم الأسلام وثابته واهدافه المشتركة ، يتبين مدى مصداقية المعالجة الأسلامية لهذه المعضلة .

ثم ان تاريخنا الحضاري صاغ نمطا من المجتمعات لم تشهده ولن تشهده سائر التجارب الأجتماعية الأخرى في الماضي والحاضر.. وليس هذا كلاما يقال وانما هو أمر متحقق بحكم الشواهد الرقمية والأحصائية التي لاتقبل مماحكة ولاجدلا ، فان المجتمعات الأسلامية ظلت حتى في لحظات الأنكسارات السياسية والعسكرية والحضارية ، اقل المجتمعات ادمانا للمخدرات ، وتعاطيا للحشيش والأفيون وسائر المغيبات الأخرى .. اقل المجتمعات شذوذا جنسيا وهروبا اجتماعيا ، ودمارا أسريا ، واقبالا على الأنتحار .. اقلها تبذلا وتهتكا واغتصابا .. اقلها في معدلات الجريمة على مستويي النوع والكم ، وأقلها كذلك في رؤيتها التشاؤمية للحياة وفي منظورها العبثي للوجود والذي يصل أحيانا الى حد رفض كل الثوابت والمؤسسات الحضارية والروحية والأجتماعية والدينية في تاريخ الأنسان .

انها حضارة تعكس موقفا ايمانيا توحيديا من الكون والعالم والأنسان على المستويين المعرفي والسلوكي ، كما انها تنطوي على أقصى حالات التوازن بين الثنائيات التي اصطرعت وتقاتلت في معظم التجارب الأجتماعية والحضارية الأخرى ، والتقت وتصالحت ها هنا في حضارة الأسلام : الوحي والوجود .. ألأيمان والعقل .. الظاهر والباطن ..الحضوروالغياب .. المادة والروح ..القدر والأختيار.. الضرورة والجمال ..الطبيعة وما وراءها .. التراب والحركة .. المنفعة والقيمة ..الفردية والجماعية ..العدل والحرية ..اليقين والتجريب ..الوحدة والتنوع ..الأشباع والزهد ..المتعة والأنضباط .. الثبات والتطور ..الدينا والآخرة .. الأرض والسماء .. والفناء والخلود .

وهو تاريخ مترع بالأبداع الحضاري .. بالعمل المتواصل والأصرار على الكشف والترقي والأتقان تحت مظلة الحديث النبوي الشريف : ( اذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فاستطاع الا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك اجر [4]. والحديث الشريف : ( ان الله يحب اذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه" [5]. ومنظومة الآيات القرآنية المعنية باستخلاف الأنسان في ألأرض وتسخير العالم لمطالبه وقدراته [6].. الأمر الذي قاد هذه الحضارة الى ايجاد تقاليد المختبر ووضع الأسس الأولى للعلم الصناعي (التكنولوجيا) .

وبسبب من ارتباط هذا الأنجاز الحضاري بالمنظور الديني للمسلم فانه حاول باخلاص أن يوظف خبرته وكشوفه للأنسان ايا كان موقعه .. لقد رفض الأنانية والأحتكار المعرفي الذي مارسه الغربيون ولايزالون تأسيا باجدادهم اليونان ورموزهم الميثولوجية ، وفتح صدره وعقله وابوابه ومؤسساته وجامعاته لطالبي العلم والمعرفة من كل ملة اوبيئة أو دين ، تشهد على ذلك الجامعات الأندلسية في قرطبة وغرناطة واشبيلية مع المبتعثين من رجال الكنيسة النصرانية .. الذين ساهموا في نهوض أوروبا كرة أخرى .

 

                                                والى اللقاء في الحلقة القادمة     

 

 

 


 

 

[1] الدعوة الى الأسلام  ترجمة وتعليق حسن ابراهيم ورفاقه ، الطبعة الثالثة ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1971 ، ص.ص: 98 و99 .

[2] عن مأساة الموريسكيين في الأندلس ينظر : محمد عبدالله عنان ، نهاية الأندلس وتاريخ العرب المنتصرين ( الكتاب الرابع من دولة الأسلام في الأندلس) ، الطبعة الثانية ، مطبعة مصر ، القاهرة ، 1958 م .

[3] هيلين كارير دانكوس ن القوميات والدولة السوفياتية ، ترجمة هنري عبودي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1979 م .

[4] ذكره علي بن عبد العزيز في (المنتخب) باسناد حسن عن أنس رضي الله عنه (عمدة القاريء في شرح صحيح البخاري) لبدر الدين العيني ، باب الحرث والزرع .

[5] أورده البيهقي في (شعب ألأيمان) والسيوطي في (الجامع الصغير) باسناد ضعيف .

[6] ينظر : سورة فاطر 39 ، الأنعام 135 ، الأعراف 69 ، 129 ، يونس 14 ، النمل 62 ، النور 55 ، هود 61 ، النحل 12 ، 14 ، ابراهيم 32 ، 33، لقمان 20، العنكبوت 61 .

 


المشاهدات 3122   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك