هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


هذا هو حصاد اللليبرالية الغربية اذا تجردت من الدين : تراجع العدالة والسعادة
تاريخ الاضافة 
 

هذا هو حصاد اللليبرالية الغربية اذا تجردت من الدين : تراجع العدالة والسعادة

في الجزئين السابقين من هذه السلسلة عن آثار الليبرالية المجردة من القيم الدينية وضحنا كيف انهارت الأسرة في الغرب وكيف انعكس هذا الأنهيار على النظام التعليمي وقدرة الطلبة على تحصيل المعرفة النافعة والمساهمة في ازدهار واستقرار مجتمعاتهم ، وفي هذا الجزء الثالث والأخير من حديثنا عن الليبرالية سنبين كيف ان انهيار الأسرة وما واكبه من تراجع في النظام التعليمي بدأ ينعكس على كافة اصعدة المجتمعات الغربية مع تفاوت في الدرجة ، وقد رأينا ان ندرج هذه ألاثار تحت مسمى ألاثارالمتعلقة بالعدالة والسعادة بابعادها المختلفة وعلى رأسها ألأبعاد الأقتصادية والأجتماعية والأمنية ، وسيتضح للقاريء ان الرفاه بكل ابعاده المذكوره هو في تراجع ملموس كما تشير الى ذلك البيانات والدراسات الغربية نفسها . وقبل ان نفصل في هذه الأنعكاسات  السلبية المتصاعدة لليبرالية المجردة من القيم الدينية نتوقف عند بعض الأمثلة التي اوردها احد الباحثين الغربين في كتاب حديث عنوان " ثقافة الخداع" وهي امثلة تعبرعن اتجاهات سلوكية لاتدعو الى التفاؤل لأنها تشير الى ممارسات تتصف بالغش والخداع وعدم الأمانة وهذه صفات تساهم ولا شك في تآكل وتهديم ما بناه الغرب في الحقب الماضية . فهذه الأخصائية النفسية الدكتورة دانا لوك تكشف ان طبقة الأغنياء في الولايات المتحدة تتسابق على دفع الأموال الى الأطباء النفسيين لأعطاء ابنائها شهادات بانهم معوقين حتى يتمكنون من بقاء وقت أطول في تقديم امتحانات الكفاءة كالسات (SAT ) وغيره ، في الوقت الذي يحرم من الحصول على هذه الشهادات أبناء الفقراء المعوقون فعلا لأنهم لايملكون الثروة اللازمة ، ذلك في وقت ترتفع فيه درجات الغش باشكاله في التعليم ، كما بينا في الجزء الثاني من هذه السلسة. وهذا ديفيد فارنكلين الباحث في كلية الطب بجامعة هارفرد يقوم بدور "ممثل" لشركة ادوية كبيرة ومهمته هي اقناع الدكاترة بوصف الدواء المسمى نيرونتين الذي تنتجه هذه الشركة لمرضاهم علما انه غير مسموح له ولا للشركة بترويج هذا الدواء الذي لم يحز على موافقة المؤسسات المختصة في ترخيص الأدوية ، والأكثرمن ذلك الترويج هو دفع هذه الشركة مخصصات نقدية لآلاف الأطباء مقابل التوقيع على ابحاث تروج لهذا المنتج لزيادة عدد مستهلكيه وهذه الفضيحة هي فقط واحدة من فضائح الممارسات الطبية في الولايات المتحدة . وهناك الصحافي الذي كتب مقالة حول رونالد زاريلا ، المدير التفيذي لشركة بوش ولومب ، وقد تبين له وهو يدقق في خلفيته انه ليس له سجل بين حملة الماجستيرفي ادارة الأعمال من جامعة نيويورك كما يدعي مما دفع بهذا المدير الى الأقرار لاحقا بانه لا يحمل الشهادة المذكورة لينظم الى قافلة من مزورين السير الذاتية كجورج اوليري ، مدرب كرة القدم السابق في جامعة نوترديم ، وساندره بالدوين الرئيسه السابقة للجنة الأولومبية الأمريكية ، وكينيث لونشار المدير المالي السابق لمؤسسة فيريتاس لبرامج الكمبيوتر. وهناك ظاهرة التهرب من الضرائب التي تقدر تكاليفها للأقتصاد الأمريكي بأكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي ظاهرة يمارسها في الغالب الأغنياء لأنهم الأقدر على التلاعب بالقوانين . وهناك سرقة الخدمات التلفزيونية ، التي تقدر في الولايات المتحدة بحوالي 6 مليارات من الدولارات ، واخيرا هناك مراسل النيويورك تايمس الذي كان اداؤه متواضعا في جريدته ولم يحصل على اية جوائز لتقاريره واذا به فجاة يكتب كتابا يزور فيه الحقائق واذا ببعض دور النشر تعرض عليه ملايين الدولارات لحق النشر ، وقصته لاتختلف كثير عن قصة ستيفن غلاس الكاتب في جريدة نيوريببلك الذي قدم له عرض مغري من قبل مؤسسة سيمون وشوسترلكتابة رواية عن " مهنته غير النزيهه" وتمت دعوته الى البرنامج المشهور " ستون دقيقية " ليروج لهذه الرواية ، بل ان ارقام عام 2002  تشير الى ان اكثر من 82% من مدراء الشركات الأمريكان يمارسون الغش حتى وهم يلعبون رياضة الجولف كما يؤكد مؤلف الكتاب[1] ، ونحن بدورنا نتساءل : هل من المستغرب ان يمارس هؤلاء هواية التزوير هذه في ادارتهم لأموال المساهمين ويساعدون بذلك على انهيار اسواق المال ؟ هذه القصص الحقيقية التي يستشهد بها صاحب كتاب " ثقافة الخداع" ما هي الا راس جبل الجليد الذي اوجدته الثقافة الليبرالية وسنحاول في بقية حديثنا ان نوثق اهم مظاهرثقافة الأنحدار التي يعيشها الغرب اليوم والتي قد تأتي على اغلب انجازاته حتى ولو بعد حين . ففي مقالة له في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية (نوفمبر/ديسمبر2011) يقارن جورج باكر، الصحفي بجريدة النيويوركر، بين حال الفرد الأمريكي في عام 1978 واليوم ، مشيرا الى تراجع منظومة القيم التي كانت سائدة في السابق والتي تمثلت في وجود عقد غير مكتوب بين الحكومة وطبقة رجال الأعمال والطبقة العاملة ، والذي كان قائما على توزيع ثمار النمو الأقتصادي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بدرجة كبيرة من العدل لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة من خلال الحفاظ على مستويات مرتفعة لأجور العمال ، وتقليل الفجوة بين المدراء وموظفيهم ، وفرض ضرائب تصاعدية على الطبقات الغنية مما ساعد على وجود طبقة وسطى منتجة ومستهلكه، اضافة الى وجود قوانين صارمة تمنع المضاربات في اسواق المال تجنبا للأنهيارات التي تواكبها عادة ، كما وان قيادات المجتمع اتصفت في تلك الفترة بوضع مصالح المجتمع قبل مصالحها الضيقة ، وكانت هناك جهود حثيثة لأنتشال الفئات الضعيفة في المجتمع كالنساء والسود من خلال كافة برامج المساعدة . ولكن السبعينيات ، كما يقول باكر ، شهدت انفراط هذا التراحم والتعاون بين أبناء المجتمع الأمريكي ، فقد تقلص دور الدولة في الأقتصاد منذ ان تولى ريغان الرئاسة ، ومع تراجع دور الدولة تراجعت الضرائب مما ادى الى انخفاض الأنفاق على كثير من الخدمات الأساسية التي تحتاجها الطبقات الفقيرة ، ومع تراجع دور الدولة تراخت كذلك القيود المفروضة على المضاربات في أسواق المال بسبب تداخل مصالح السياسيين وطبقة رجال الأعمال ، وهكذا اطلق العنان لغرائز المراهنات والكسب غير الشرعي والظلم حتى اصبح دخل مدير المؤسسة الأمريكية في عام 2007 يزيد بحوالي 400 ضعف على دخل اصغر موظف في نفس المؤسسة بعد أن كانت هذه النسبة لاتزيد 40:1 في السبعينات ، كما وان نصيب اغنى 1% من السكان في الولايات المتحدة اصبح  يقارب 23 % من اجمالي الدخل وهي اعلى فجوة دخل منذ العشرينات ، بينما تراجعت الطبقة الوسطى وزاد حجم طبقة الفقراء [2]. وفي كتاب حديث بدأنا مراجعته في موقعنا منذ بداية مارس عام 2012 لجيفري ساش ، أستاذ الأقتصاد المشهور بجامعة كولومبيا ، ومستشار اكثر من عشرين دولة نامية لأكثر من ربع قرن ، يؤكد المؤلف بان الأزمة الأقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة هي في جوهرها أزمة اخلاق عند النخب السياسية والأقتصادية [3]. وهذا وزير التربية الأمريكي يؤكد حجم هذا الأنحدار القيمي في معرض حديثه عن واقع التعليم في الولايات المتحدة بالقول " بان 75% من الشباب الأمريكي لم يعد صالحا للألتحاق بالجيش اليوم اما لأنه لم ينهي الثانوية العامة أو ان لديه سجل اجرامي ، او انه غير قادر جسديا" [4]. اما مجلة الأيكونوميست المعروفة فقد نشرت تقرير عام 2005 أكدت فيه ان التفاوت في فجوة الدخل في المجتمع الأمريكي وصل مستوى لم يشهده الأمريكان منذ ثمانينات القرن التاسع عشر ، ففي عام 1979 كان متوسط دخل اغنى 1% من الأمريكان يعادل 133 ضعف متوسط دخل افقر 20 % من الأمريكان ، ثم قفزت هذه النسبة الى 189 ضعف عام 2000.  اما مداخيل أكبر 100 من مدراء الشركات فقد ارتفعت خلال ثلاثين سنة من 39 ضعف دخل الموظف العادي الى اكثر من 1000 ضعف [5]. وفي معرض حديثه عن استقرار النظام المالي ، يؤكد جوزيف ستغلتز ، أستاذ الأقتصاد بجامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل في الأقتصاد ، ان الفترة ما بين 1970 و2007 شهدت حوالي 124 أزمة مالية في الدول النامية وحدها [6]. وفي كتاب حديث ألفه اللورد واستاذ الأقتصاد في كلية لندن للأقتصاد ، ريتشرد ليرد ، يؤكد فيه ان هناك حقائق علمية تشير الى أن الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا واليابان ليس بأكثر سعادة اليوم عن ما كان عليه قبل خمسين سنة ، علما أن دخل الفرد في هذه المجتمعات قد تضاعف خلال هذه الفترة ، وذلك بسبب زيادة منقصات السعادة والتي من اهمها ، بحسب المؤلف ، الكآبه وادمان الخمور ومعدلات الجريمة والتفكك الأسري وتآكل الثقة بين أفراد المجتمع والتغير في ادوار الرجل والمرأة والبرامج الأعلامية وتراجع القيم والأخلاق ، ويوثق المؤلف هذه النتائج بكثير من البيانات التي لايتسع المجال لها هنا ولكننا سنذكر عينة منها للتوضيح [7]. فقد قفزت النسبة السنوية للطلاق بين المتزوجين الجدد في الولايات المتحدة من 0.9 % عام 1960 الى 1.9 % عام 2000 ومن 0.2 % الى 1.3 % في بريطانيا خلال الفترة نفسها ، وتؤكد كثير من الدراسات ، كما يشير الباحث ، الى أن الطلاق هو من أهم اسباب الزيادة في معدلات الأنتخار بين الشباب التي شهدتها الدول الغربية خلال هذه الفترة . كما ان تفكك ألأسرة ، كما يقول اللورد ليرد ، ادى الى تزايد عدد الأبناء غير الشرعيين ، فقد تزايدت نسبتهم ما بين عام 1960 و2000 من 5% الى 33% في الولايات المتحدة ومن 5% الى 40% في بريطانيا ، كما ان نسبة الأسرالتي يرعاها فرد واحد ، أي اما الأب أو الأم ، زادت خلال الفترة المذكور اعلاه من 9% الى 27% في الولايات المتحدة ومن 6% الى 21% في بريطانيا [8]. أما الجرائم فقد كانت اعلى نسبة للزيادة فيها هي خلال الفترة ما بين 1950 و1980 ، فقد وصلت هذه الزيادة الى 300% في الولايات المتحدة و500 % في بريطانيا ، حتى اصبح ثلث البريطانيون لايأمنون الخروج من منازلهم بعد الظلام ، علما ان الفترة المذكورة كما يقول المؤلف كانت فترة ازدهار اقتصادي وتراجع في معدلات البطالة [9]. وحتى التراجع النسبي في معدل الجريمة في الولايات المتحدة منذ بداية التسعينات يعزوه الكثير من الباحثين الى عدة اسباب من اهمها زيادة عدد المسجونين وزيادة عدد رجال الأمن [10]. أما ثقة الناس في بعضهم البعض فقد تراجعت في الولايات المتحدة من 51% عام 1952 الى حوالي 27% عام 1998 [11] . وفي استبيان حديث لمركز أبحاث بو الأمريكي اتضح ان ظاهرة عدم ثقة الأمريكان تتعدى العلاقات الفردية الى المؤسسات حيث ان 69 % منهم ليست لديهم ثقة في المؤسسات المالية والمصرفية ، و65% ليست لديهم ثقة في الكونغرس والمؤسسات الأتحادية ، و64% ليست لديهم ثقة في المؤسسات التجارية الكبيرة ، و57% ليست لديهم ثقة في الأعلام الوطني ، و51 % ليست لديهم ثقة في وسائل الترفيه والتسلية [12]. وقد عبر هذا التراجع في الثقة بين الناس عن نفسه بالأنخفاض المستمر لعدد الأمريكان من كل الأعمار الذين ينظمون الى الهيئات والمؤسسات التي تجمعهم بامثالهم في المهنة أو الدين او الهواية أو التوجه السياسي أو غيرها ، اي ان هناك نزعة انعزالية في كثير من مجالات الحياة ، مما دفع ببوتنام ، عالم الأجتماع في جامعة هارفرد ، ان يصدر كتابا يشير عنوانه الى ان هذا الأنعزال وصل قمته في ان يلعب الأمريكي رياضة البولينغ منفردا [13]. وتشير البيانات المتوفرة الى انه قبل ثلاثين عاما كانت ولاية كاليفورنيا الأمريكية تخصص حوالي 10% من ايراداتها العامة للبحث العلمي و3% على السجون ، اما اليوم فان نفس الولاية تنفق حوالي 11% من ايراداتها على السجون ، بينما تراجع انفاقها على البحث العلمي الى حوالي 8% [14]. هذه الزيادة في دور السجون ليست مفاجئة اذا تذكرنا ان أكثر من سبعة من كل الف امريكي هم في السجون ، وهي اعلى نسبة في العالم كما يؤكد الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر[15]. وحتى الأجهزة الأمنية لم تسلم من موجة التحلل الخلقي ، ولم تكن السلوكيات التي بدات من قبل حراس الرئيس الأمريكي اوباما خلال زيارته لكولومبيا في شهر ابريل 2012 الأولى من نوعها ،  ففي عام 2002 كان عنوان مجلة يو أس نيوز اند ورلد ريبورت الأمريكية وواسعة الأنتشار هو " أسرار اجهزة الأمن " وقد اشارت المجلة في تقريرها الى ان وكالة المخابرات الأمريكية غارقة في المشاكل اللآاخلاقية التي تتفاوت بين ادمان الكحول وسوء استخدام ممتلكات الدولة الى الممارسات الأجرامية والجنسية بين رجال الأمن والعاملين في البيت الأبيض ، الى احضار رجال الأمن في فلوريدا واوهايو للراقصات العاريات الى مكاتبهم [16]. وقد يكون أسوا ما في الليبرالية عندما تتخلى عن القيم الدينية هو موقفها تجاه الترابط العائلي ودرجة اهتمام الأبناء بآبائهم ، فمن النكت التي تتداول في الغرب ما يلي : " كن طيبا مع أبنائك فهم الذين سيقررون في اي بيت رعاية ستكون" ، كناية عن تخلي الأبناء عن رعاية المسنين ووضعهم في دور الرعاية . وهذه حقيقية تؤكدها الأرقام كذلك ، فبينما تقل نسبة كبار السن الذين يعيشون مع أبنائهم في الغرب عن 20% ، تصل هذه النسبة الى 33% في اليابان و55% في كل من بيجينغ وشنغهاي ، وترتفع لتصل الى 80% في سنغافورة وهونغ كونغ [17]. اما على الصعيد العالمي فقد رأينا كيف بادر الغرب بالحروب في الدول النامية من فيتنام الى كوريا الى فلسطين الى افغانستان مرورا بالعراق كل ذلك من اجل حماية مصالحه ، وهذه الممارسات هي ليست ضد روح الليبرالية كما يعتقد بعض السذج من بيننا ، بل انها ممارسات تتفق مع جوهر الأفكار التي طرحها منظروا الليبرالية ، فهذا جون ستيورت ميل ، ألأقتصادي الأنجليزي المشهور ، واحد رواد الفكر الليبرالي يؤكد في كتاباته مقته واحتقاره لكل الحضارات غير الغربية واصفا اياها " بالبربرية" ومطالبا تعليمها المفاهيم الليبرالية من خلال استعمارها والسيطرة عليها [18]. وقد نشر هذا الباحث ورقة حديثة رصد فيها تراجع المجتمع الأمريكي في مواجهة المجتمعات الآسيوية كالصين وغيرها على اصعدة مختلفة منها المديوينة والعدالة الأجتماعية والتعليم والبحث العلمي وغيرها يمكن العودة اليها [19]. وفي هذا السياق يتساءل اللورد ليرد عن اسباب تفكك الأسرة وزيادة معدلات الجريمة والتحلل الخلقي ويجيب قائلا : اننا لايمكن ان نعزو هذه الأمراض الى النمو الأقتصادي لأن هذا النمو حصل عبر اكثر من 150 سنة مضت بينما عمر الظواهر السابقة هو حوالي خمسين سنة فقط ، مما يعني ان تفسيرها يكمن في اعتقاده في ثلاث مجموعات من الأسباب وهي تغير الأدوار التي يقوم بها كل من الأناث والذكور، التلفزيون وما غرسه من عنف وجنس وانماط حياة مفرطة في الأستهلاك والترف ،  وتراجع في القيم الدينية  ، وهناك ملاحظة قيمة يبديها اللورد ليرد في سياق حديثه عن القيم وذلك بقوله ان غالبية الغربيين اليوم لم يعودوا ، يعتبرون الأخلاق ذات مرجعية دينية يمتد فيها الثواب والعقاب الى الآخرة ، اي ان حساباتهم للربح والخسارة اصبحت دنيوية فقط وغابت عنها الآخره [20]. وهذا هو في اعتقادنا السبب في اخفاق هذه المنظومة الأخلاقية الدنيوية التي انفصلت عن الدين وعن الآخرة مقارنة بالمنظومة الأسلامية التي تتجسد في قوله تعالى : " بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وابقى . ان هذا لفي الصحف الأولى. صحف ابراهيم وموسى "[21] .

هل لدينا بديل ؟  

هذا الأنحدار الأخلاقي الذي يتفشى في المجتمعات المعاصرة ويجعل الأنسان يسيء استخدام ما لديه من مهارات ومواهب وموارد هو بسبب غياب القيم الفعالة التي يجمع عليها المجتمع والتي تكون مشرعة من خالق الأنسان وفي اطار عقائدي يجعل هذا الأنسان يرغب في الألتزام بها ولايحاول التهرب منها عندما تغيب عنه سلطة القانون ، وهذا لايتحقق الا بالقيم الدينية والتي نعتقد ان اشمل صورة لها تتمثل اليوم في طيات كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي القيم المجرده من الأهواء البشرية او محدودية المعرفه او قلة التجربة او التحيز ضد الآخر، وهي الصفات التي تتصف بها جميع "القيم" التي حاول الأنسان ان يشرعها لنفسه في ظل الأنظمة العلمانية بعيدا عن الدين وثوابته ولم تحقق له الا مزيدا من التخبط والشقاء .  ومن المؤسف حقا انه في الثلاثين سنة الأخيرة التي شهدت تراجع القيم في الغرب وما نتج عنها من القضاء على الأسرة كمحضن لتنشئة الأجيال وانتقال هذا الأخفاق الى المؤسسات التعليمية والسياسية والمالية ، اقول في نفس الفترة ، كانت الحكومات العربية بما فيها الحكومات الخليجية مشغولة بتجفيف منابع القيم الأسلامية واستيراد القيم الغربية ، بل ان بعض القيادات في هذه المنطقة تطرفت في محاربة قيم المجتمع وذلك من خلال توظيف اساتذة اجانب لاتربطهم رابطة لغة او دين مع الأطفال في المراحل الدراسية الأولى ، وهذا ما لايقبل به الغربيون انفسهم لأبنائهم . ونحن نعتقد انه اذا استمرت حكومات دولنا تتشبث بالقيم الليبرالية التي هي نوع من الأنفلات من القيم فانها ستدخل جحر الضب الذي حذرنا منه رسولنا الكريم وسيصيبها نفس الأنحدار الأخلاقي والتفكك الأجتماعي الذي نخر في بناء المجتمعات الغربية وعمق من شقائها ومآسيها على الرغم من ما تراكم لديها من مهارات او معارف او مكتشفات ذلك نظرا لأن هذه المجتمعات تفتقد الرؤية الكونية الصحيحه ، وقد فصلنا ما نعنيه بالرؤية الكونية في حديث شهري سابق بعنوان " العبودية لله اعلى مراتب الحرية : ترشيد ثورات الشباب " ، نوصي الأخوة والأخوات الكرام بالأطلاع عليه نظرا لأهمية هذا الموضوع في كافة نشاطات الأنسان وارتباطه بكثير من الأزمات التي بدا العالم يواجهها اليوم . هذه الأهمية الفائقة للقيم في تكوين الأنسان وتهذيب استخدامه للنمو المتزايد في معارفه يؤكدها الحق سبحانه وتعالى بقوله على لسان ابنت شعيب " قالت احداهما ياأبتي استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين "[22]. اي ان الأنسان الذي يعمر هذه الأرض هو ذلك الأنسان الذي يتصف بالقوة اي بالمهارات اللازمة لعمارة الأرض ولكنه يتصف كذلك بالأمانة اي أن لديه الأخلاق التي تجعله يوجه مهاراته وقوته في كل  ميدان الى التعمير بدل التدمير والى الأمانه بدل الخيانة والى العدل بدل الظلم والى الأنضباظ بدل التسيب والى العمل بدل الكسل والى الأعتدال بدل الأفراط الى آخر القيم التي تجعل العلم نافعا . اننا نزعم أن وضع اجيال الأمة على ارضية اخلاقية نابعة من رؤية كونية صحيحة هو مقدمة اساسية للأرتقاء باداء هذه الأجيال على كل صعيد سواء كان ذلك في تلقي المعرفة أو في الأستفادة منها ، وسواء كان ذلك في كفاءة استغلال الموارد اوفي توزيعها .   


 

 

[1] David Callahan, The Cheating Culture ( Orlando(Florida) : Harcourt, 2004) , pp.8-

[2] George Packer , "The Broken Contract," Foreign Affairs( November/December), pp.20-31.

[3] Jeffrey D. Sachs, The Price of Civilization ( New York: Random Home, 2011), p.3.

[4] Thomas L. Friedman and Michael Mandelbaum, That Used to Be (New York: Ferrar , Straus, and Giroux, 2011) , p.221.

[5] Robert A. Dahl, On Political Equality (New Haven : Yale University Press, 2006) , pp.84-85.

[6] Joseph E. Stiglitz , FreeFall ( New York: W.W.Norton & Company, 2010), p.xiv.

[7] Rid Layard , Happiness (New York:  The Penguin Press, 2005).

[8] Rid Layard , Happiness (New York:  The Penguin Press, 2005), p.79.

[9] Rid Layard , Happiness (New York:  The Penguin Press, 2005), p.80.

[10] S. levitt , " Understanding Why Crime Fell in the 1990s: Four Factors that explain the decline and six that do not," Journal of Economic Perspectives, 2004, 18, pp.163-90.

[11] Rid Layard , Happiness (New York:  The Penguin Press, 2005), p.81.

[12] Pew Research Center for the people & the Press, April 2010.

[13] R. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community( New York: Simon & Schuster, 2000) .

[14] Thomas L. Friedman and Michael Mandelbaum, That Used to Be (New York: Ferrar , Straus, and Giroux, 2011) , p.232.

[15] Jimmy Carter, Our Endangered Values: America's Moral Crisis ( New York : Simon & Schuster, 2005) , p.79.

[16] Chitra Ragavan and Christopher H. Schmidtt, U.S & World Report , June 17 , 2002.

[17]  Daniel A. Bell, Beyond Liberal Democracy ( Princeton : Princeton University Press, 2006) , p.275.

[18]  Daniel A. Bell, Beyond Liberal Democracy ( Princeton : Princeton University Press, 2006) , p.p: 338-339.

[19] يوسف خليفة اليوسف ، تعددية القطبية الأقتصادية : التحولات والأحتمالات ، سلسلة أوراق عربية رقم 16 (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، يناير 2012 ) .

[20] Rid Layard , Happiness (New York:  The Penguin Press, 2005), pp.82-93.

[21] القرآن الكريم ، سورة الأعلى ، الآيات : 16-19 .

[22] سورة القصص ، ألاية 26 .

 


المشاهدات 2905   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك