هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


الديني والمديني
تاريخ الاضافة 
 

                                                الديني والمديني

 

الحوادث والمخالفات والأخطاء المرورية هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لاستخداماتٍ خاطئةٍ للمركبات أو للمرافق أو للأنظمة والآداب المرورية، فقيادة مركبةٍ ثقيلةٍ بسرعةٍ عاليةٍ في يومٍ مطيرٍ، ستؤدي بالضرورة إلى ارتكاب حادثٍ مروريٍّ وإلى إحداث أضرارٍ في الأرواح والممتلكات بالتبعية، وإيقاف مركبةٍ في مكانٍ محظورٍ الوقوف فيه، سيؤدي بالضرورة إلى إضرارٍ بالمصالح وبالنظام وبالمظهر العام، والقيادة بسرعةٍ أو بدون انتباهٍ أثناء المرور أمام مدرسةٍ أثناء خروج التلاميذ منها ستؤدي بالضرورة إلى التسبب في حادث قد يذهب ضحيته عددٌ من أرواح الأطفال؛ والخطأ في جميع تلك الأحوال ناشئٌ عن عدم معرفة قائد المركبة بالقواعد والأخلاقيات المرورية، أو أنه ناشئٌ عن عدم إلمامه بالمهارات الفنية والنفسية والذهنية الضرورية لاستخدام المركبة، أو أنه ناشئٌ عن عدم إدراكه للتبعات والأضرار التي ستحدث نتيجةً لتهوره، أو أنه ناشئٌ عن جهله بالنتائج والمسؤوليات المدنية والمالية والأخلاقية والبدنية التي ستقع عليه في حالات استخداماته الخاطئة للمركبة أو للمرافق أو للأنظمة والآداب المرورية.

 

وهكذا تكتمل الصورة التطبيقية للمثل القائل: "الإنسان عدو ما يجهل"، فهذا الصنف من العداوة يقتضي مخالفة العدو أو المجهول أو المستعصي على الفهم، لا بدافع الانحياز إلى الصواب والحق، بل تماديًا في ارتكاب أي فعلٍ أو تبَنّي أي موقفٍ يتصادم أو يتعارض مع القواعد والمبادئ التي يؤمن بها؛ وهذه بلا شك هي أسوأ صور العداوة، لأنها عداوةٌ مبنيةُ على فراغ من الجهل المزدوج الضرر، ولأنها لا تستند إلى أرضيةٍ علميةٍ أو إلى مبرراتٍ أخلاقيةٍ أو إلى مسبباتٍ أو خلافاتٍ منهجيةٍ في القيم أو المبادئ أو المصالح، وهذه العداوة كافيةٌ ليعتقد كل طرفٍ جزافًا بأنه على حقٍّ وأن الطرف الآخر على باطلٍ؛ ولذلك فإن الذين لا يعلمون والذين لا يعقلون والذين لا يفقهون والذين لا يعرفون والذين لا يبصرون هم أعداءٌ حقيقيون لكل ما يجهلونه، حتى أن العلم والفقه والمعرفة تصبح عندهم خطرًا أو كفرًا يجب اجتنابه بل ومحاربته بكل ضراوةٍ؛ وعلى شاكلة هؤلاء، فإن الذين يعيشون سجناء الأفكار والتيارات والعادات والموروثات[1]، والذين يعجزون عن التحرر من إسارها، يحاكمون كل ما يتعارض مع معتقداتهم وأفكارهم وعاداتهم وموروثاتهم من وجهة نظر ذلك العالم المنغلق على نفسه، ويتعاملون معه بنفس درجة الخوف من الخروج منه والانتقال إلى عالم الحقيقة والشفافية؛ ولهذا نجد أن حرب أمريكا والغرب على الإرهاب لم تأت نتاجًا لدراساتٍ رصينةٍ وأبحاثٍ علميةٍ منهجيةٍ وموضوعيةٍ عن الإسلام كرسالةٍ سماويةٍ وكدينٍ وكمنهجٍ حياتيٍّ، أو عن المسلمين كنفسياتٍ وعقلياتٍ حملت ميراث الحضارة البشرية إلى أن حُرمت قرونًا من الزمن من تنفس المعرفة والحرية العدالة وممارستها، أو إلى مجتمعات المسلمين كمنجزٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ متميزٍ إلى أن تحولت إلى تكويناتٍ عانت من سوء الإدارة السياسية ومن التمزيق الجغرافي ومن الخلخلة الفكرية والثقافية، بل إن كل ما تم تلفيقه وتوظيفه سلبًا من أجل تسويغ الحرب على الإرهاب كان إسقاطاتٍ وردود أفعالٍ مفتعلةٍ ومبنيةٍ على تصرفات عينةٍ انتقائيةٍ ضئيلةٍ جدًّا من أتباع هذا الدين ولم يخضعوا للتأكد من كونهم جهلةً أو مارقين من الدين أو متطرفين أو ربما مرتزقةً يبحثون عن الثراء وعن لقمة العيش في مزابل المصالح السياسية ولو ببيع الوطن أو الدين؛ ولهذا نجد حرب أمريكا والغرب على الإرهاب بدأت أول ما بدأت بمحاربة المدارس الدينية ومعاهد تعليم العلوم الشرعية واعتبرتها محاضن للخطر الأوحد والحقيقي على الحضارة الغربية، على الرغم من أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يَعتبِر العلم أول خطوةٍ نحو الإيمان بالله[2] ونحو فهم الوجود، وأن الحرية في الاختيار في الاعتقاد والممارسة يجب أن تكون مكفولةً وإلا انهار ذلك الإيمان فورًا وتحوّل إلى نفاقٍ وإلى ادعاءٍ كاذبٍ.

 

وعلى هذا المنوال الأعوج، تطفو اليوم على سطح المشهد السياسي مواقف وآراءٌ وتوجهاتٌ متضاربةٌ ومتصارعةٌ في شأن النظام أو النموذج السياسي المرشح للحكم ولإدارة الدولة في المجتمعات العربية الإسلامية التي سمح لها التاريخ بفرصة التنفس من فوق سطح استراتيجيات العولمة وسياسات الاغتصاب الكامل، من الأرض إلى سرائر البشر؛ ولكن هذه المجتمعات أبت إلا أن تتعامل مع تلك الفرصة النادرة بنفس عقلية قائد المركبة المتهور، واستخدمت نفس منطلقاته الجهلية إما لتمجيد فكرة المجتمع والدولة المدنية[3] تعبيرًا عن رفض فكرة الدينية والانتقاص منها انفلاتًا من التزاماتها الإيمانية والقيمية والأخلاقية[4]؛ وإما لتمجيد فكرة الدينية تعبيرًا عن رفض فكرة المجتمع المدني والدولة المدنية والانتقاص منها هروبًا من أزماتها وإشكالياتها السلوكية والفكرية، وكأن ما هو دينيٌّ أو مدنيٌّ شيئان متنافران أو متضادان، حتى بات مَثَل: "أيهما أولاً، البيضة أم الدجاجة؟" يمثل منهجيةً فكريةً وصراعًا ثقافيًّا وحضاريًّا مقصودًا لذاته، أو كأن حل هذه الأحجية الفكرية والإيديولوجية هو شرطٌ أساسيٌّ للشروع في الخروج من مأزق التخلف والتبعية؛ في هذا الصراع الفكري والإيديولوجي كان العلم والحرية حاضرين لدى طرفي الصراع، ولكن بدلاً من أن يكونا حَكَمين في الجدل الدائر بينهما، فقد تحولا إلى ضحيتين بسبب سوء الرؤية وعدم الوضوح في الهدف وفي الوسائل وفي النتائج.

 

1. العلمي ضد العلم وضد المنهجية

وهكذا، ومن منطلق الانحياز إلى العلم والحرية والذود عنهما، جاء أنصار فكرة المجتمع المدني والدولة المدنية، التي نبتت جذورها على شطحات الفكر الليبرالي واللاديني والمادي لمناهضة الديني ولتقديم البديل العملي أو المتحضر الذي يؤدي إلى إلغاء الدين من الحركة اليومية للمجتمع، مع أن أصول المنهج العلمي تقتضي محاكمة الأفكار والمعتقدات والحلول الحضارية محاكمةً منهجيةً وموضوعيةً، إلى أن تنحاز الحقيقة أو نتائج البحث في النهاية إلى الأفكار والمعتقدات والحلول التي تنطوي على أكبر قدرٍ من المعقولية والتي تحقق أكبر قدرٍ من المصالح والمكاسب والمنافع والمردودات، والتي تنطوي في الوقت نفسه على أقل قدرٍ من الخرافة أو من محدودية الفاعلية، كما تؤدي إلى تجنيب المجتمع أكبر قدرٍ من الأضرار والخسائر والأزمات والويلات، بغض النظر بداءةً عن الأصل الديني أو المدني لتلك الأفكار والمعتقدات والحلول؛ ولكن الساحة الفكرية اليوم لم تستطع أن تستبقي العداء للدين أو للمنهج الإسلامي عقلانيًّا أو علميًّا أو موضوعيًّا، بل تطور ليصبح عداءًا مبيّتًا تُسيّره المصالح والأهواء الشخصية والنفسيات المختلة والإسقاطات التاريخية الخاطئة والتأثيرات الثقافية للغالب على المغلوب، لدرجة أن الدين العلمي الرصين والملتزم، والذي بالذات يجد ما يؤيده من الحقائق العلمية والعقلانية ومن البدهيات المنطقية والفلسفية، بات عند هؤلاء المصابين بلوثة الجهل والتقليد وانطفاء الهوية شيئًا خطيرًا ومنبوذًا ومناوئًا للدين الطقوسي الموروث، حتى أن الدين التراثي أو الفولكلور الديني يصبح هو الأصل ولو كان محشوًّا بالخرافات والبدع والأضاليل التي تتناقض مع أصل الدين وجوهره ومفاهيمه ومضامينه ووظائفه الأخلاقية والحياتية[5]؛ ومع أن كل مجموعةٍ من القواعد والأسس والمبادئ التي تحكم أي نشاطٍ فكريٍّ أو اجتماعيٍّ أو طبيعيٍّ تصبح علمًا قائمًا بذاته، إلا أن هناك من المناوئين للديني من لا يزالون يلتفّون على المبدأ الذي ينطلقون منه، فيقفون موقف الإثبات عندما يتعلق العلم بالفنون والألعاب الرياضية ويعتبرونها حقولاً علميةً ومعرفيةً قائمةً بذاتها، ولكنهم يقفون موقف النفي من الدين الإسلامي ليعتبروا كل أصوله وقواعده وأسسه العلمية والفقهية الفريدة ومنهجيته المدهشة مجرد ممارسةٍ شخصيةٍ وليس علمًا بالمفهوم المعرفي.

 

وعلى نفس الوتيرة، فإن أنصار فكرة المجتمع الديني والدولة الدينية أو تديين السياسة يضمرون العداء للمدني فقط لأنه مدنيٌّ، وبذلك يظل الدين الذي ينادون به تائهًا في رحلة بحثه عن المدينة الفاضلة التي سيحط رحاله فيها ذات يومٍ، ليتحول الدين بذلك إلى مشروعٍ إصلاحيٍّ مؤجل التطبيق إلى أن يجد تلك الأرضية المستعدة لتقبله وتطبيقه بحذافيره بطريقة القفز على المراحل أو بطريقة العصا السحرية، أو يصبح طائرًا فينيقيًّا لا مكان له إلا في خيال الفقهاء وأنصار الفكرة الدينية المنفصلة عن المدينة، مع أن التاريخ الرسالي كله بدأ متدرجًا من مستوى المحاولة ومن منطلق استهداف النموذج الكامل ولكن بدءًا من نقطة تقبُّل الآخر واحترامه ومن أرضية الاحتكام إلى الحوار العقلاني؛ لأن الدين، والإسلام بالذات، إذا لم يكن قائمًا على قاعدةٍ علميةٍ، ولم يكن قائمًا على الحرية الكاملة في التفكير وفي الاختيار، فإن قبوله يصبح غير ممكنٍ، كما يصبح فهمه وتوظيفه حياتيًّا ضربًا من خداع الفرد للمجتمع.

 

2. المتحرر ضد الحرية

وهكذا كان مصير الحرية أيضًا، فالأصوات المناوئة لفكرة المجتمع الديني والدولة الدينية كانت مستعدةً لمنح الحرية لأي رأيٍ آخر إلا الرأي الديني، فقد كان محظورًا عليه أن يجد أي مساحةٍ من الحرية يتحرك فيها، أو كان رأيه خطأً غير قابلٍ للصواب قطعيًّا، وكانت أقل الأخطاء وأتفهها محسوبةً عليه وعلى أصوله ومبادئه الأساسية ولو كانت تلك الأخطاء في الاستنتاج أو في قصور المقدمات التي استُخدمت في الوصول إلى النتائج؛ بل إن الأمر بلغ بتضييق مساحة الحرية على الديني إلى تضييق الخناق وإلى تحريض السلطة السياسية ضده وضد القائمين عليه إلى درجة القمع والاضطهاد والتنكيل، وإلى مناهضته على مستويات التشريع والتنظيم والثقافة والتربية والإعلام، وكل ذلك استنادًا إلى تجارب المجتمعات الناهضة من تحت رماد الوثنية أو استدلالاً بتجارب التاريخ الخاطئة؛ على الجانب الآخر، كان أنصار فكرة المجتمع الديني والدولة الدينية منغلقين على أفكارهم ورؤاهم وأساليبهم الدعوية، فكان مطلوبًا من الآخر أن يتقبل فقط، دون أن تترك له أي مساحةٍ للمناقشة والمحاورة وطرح الأسئلة والتعبير عن الشكوك، وكان مطلوبًا من الآخر دائمًا أن يغير هو أساليبه في الاستقبال أكثر من أن يغير الديني من أساليبه في الإرسال، حتى أن مجرد فكرة الحوار والجدال في حد ذاتها كانت تعد كفرًا بواحًا من قبل الدخول في تفاصيلها؛ ومع أن المساحة السياسية والاجتماعية والإعلامية والتربوية كانت تزداد تضييقًا على الديني، إلا أن ذلك لم يزده إلا تزمتًا وجمودًا واستبسالاً في الدفاع عن رغبته في انتزاع الانتصار الأخير، لا عن رغبته في إحقاق الحق الذي يدعو إليه، ولا عن رغبته في زيادة الوعي بالفرص الحضارية الكامنة فيه، ولا عن رغبته في انتشال الإنسانية من أوحال حضارتها المادية، وهذه كانت حالةً تعبيريةً صارخةً عن عجز الأدوات والأساليب، وعن انعدام جاذبية الخطاب الديني.

 

3. الديني المتمدين والمدني المتدين

بهذا الخلاف الإيديولوجي بين أقليتين في أعلى الهرم الفكري والسكاني، والذي لا يتناسب مع هموم واهتمامات القاعدة العريضة المحافظة على انتمائها وهويتها الإسلامية لذلك الهرم، خسرت المجتمعات الإسلامية حريتها وخسرت نهضتها العلمية وخسرت فاعليتها الحضارية وخسرت أدواتها النهضوية، وانتهت حروبها الداخلية إلى نتيجة لا غالبٍ ولا مغلوبٍ؛ وبهذه الخصومة الفكرية والعاطفية، كانت حافلة المجتمعات الإسلامية المتهورة تشق طريقها نحو منحدر المستقبل المحفوف بكل صنوف المخاطر والتحديات والمآزق الشرسة، وهي فاقدة السيطرة وغير مزودةٍ بأبسط الوسائل الوقائية؛ لقد كانت حالة تلك الحافلة بحقٍّ أشبه ما تكون بحالة مجتمعٍ خارجٍ من تجربته الديمقراطية، بطرفٍ منتصرٍ أو فائزٍ بالانتخابات، وأطرافٍ خاسرةٍ أو حاصلةٍ على نسبةٍ أقل من الأصوات، والأطراف الخاسرة عاجزةٌ عن الرضوخ لمقتضيات اللعبة الديموقراطية، وعن تقبّل انتصار الطرف الآخر بروحٍ رياضيةٍ، وعن التعاون الإيجابي بالتالي مع الطرف المنتصر بدلاً من الانجراف وراء مصالحها وقناعاتها الفكرية المتضادة مع مصالح الطرف الآخر وقناعاته، وبدلاً من أن يعمل الخاسرون على إنقاذ الحافلة، فإنهم كانوا يجتهدون في إحباط محاولة الوصول إلى الهدف النهائي وإفشال جهود القيادة بعدم الانضباط والحركة الزائدة وإثارة الفوضى أو بتكسير زجاج الحافلة أو بتفجير إطاراتها؛ وبهذه الوضعية، فإن النتيجة ستكون حافلةً يحاول الفائزون في الانتخابات قيادتها بصعوبةٍ بالغةٍ، لا لكي تصل إلى محطتها الأخيرة بأقل قدرٍ من الخسائر، ولكن لئلا تنحرف عن مسارها وتتدهور وهي ما تزال في أول الطريق؛ هذا الخلل في الفهم، وهذا العجز في التطبيق، هو الذي قاد المجتمعات الإسلامية إلى إضاعة الوقت على أرض الواقع في صراعها الفكري لمفاقمة الشرخ بين الديني والمدني، أما في الحقيقة فإن الدين إنما جاء لتنظيم الشؤون والعلاقات المدنية، ولتقديم الحلول والأدوات التي تساعد المجتمع المدني على ممارسة نشاطه الحضاري والعمراني والتعايش بين أفراده على اختلاف أطيافهم على أسسٍ تقوم على العدالة والمساواة والسلام والخير والتكافل، وبدون هذا التشكيل أو التكوين الاجتماعي فإن دور الدين سيظل متضائلاً في بعض الشعائر والطقوس الروحية التي لا تتجاوز الممارسات الفردية، وبذلك يصبح شيئًا لا معنى أو لا ضرورة له على المستوى المجتمعي.

 

ولكن المدينة كمجتمعٍ، بلا تنظيماتٍ أو بلا تشريعاتٍ أو بلا قيمٍ أخلاقيةٍ أو بلا مرجعياتٍ عقيديةٍ تصبح حقلاً لتجارب الصواب والخطأ، وتصبح غنيمةً للأغنياء على حساب الفقراء، وتصبح ساحةً لاقتتال المصالح بين المتنفذين الأقوياء ولو كانوا مواطنين فاسدين على حساب حقوق المهمشين الضعفاء ولو كانوا مواطنين صالحين، وبذلك يكون المجتمع عرضةً لأخطاء الأفكار والأمزجة والأهواء والحلول الناقصة والقاصرة  والوقتية، باختصارٍ، يصبح المجتمع غابةً كبيرةً يسكنها البشر؛ لقد كانت فكرة المجتمع المدني هروبًا من إسار الفكرة الدينية، ولكن هذا الهروب مبنيٌّ- في المجتمعات غير الإسلامية- على أساس المصدرية البشرية لذلك الدين، وهذا الهروب الالتفافي هو الذي حرر تلك المجتمعات من القيود المصنوعة أصلاً من شطحات العقل ومن خيالات الفكر ومن تجارب الأشخاص وأحيانًا من تحريفهم للأصل السماوي للدين؛ أما الإسلام، فإن معالجاته وحلوله المتزنة للمشاكل الإنسانية والمدنية والمجتمعية والفردية تجعله في حد ذاته ثورةً أو خروجًا على الانغلاق المألوف للدين الوضعي السائد، الذي لم يكن هو الآخر مختلفًا في شيءٍ عن الأنظمة الوضعية المعاصرة التي تحكم معظم التشريعات؛ ولذلك فإن النموذج الديني الإسلامي من بين كل النماذج، هو نموذجٌ يقوم على منهجٍ إلهيٍّ مثاليٍّ في شموليته وفي عمومياته وفي مبادئه، ومع ذلك فإنه يترك التفاصيل والأساليب التطبيقية بشريةً للمؤمنين والموقنين بقدرته على حل مآزقهم وإخراجهم من أزماتهم، وهذا ما يجعل التطبيق الإسلامي خاضعًا دائمًا وأبدًا لإدخال التعديلات والتطويرات والتغييرات التي تقتضيها ظروف الأزمنة والبيئات والعقليات والظروف التاريخية؛ وبالرغم من ذلك، فإن النظام أو الدولة الدينية في النموذج الإسلامي لا تعني تفويضًا إلهيًّا للقائمين على الدولة، ولا تمنحهم القداسة والتعالي على المحاسبة والمراجعة، بل تعني التزامهم التام بفهم المنهج وتطبيقه تطبيقًا يناسب المرحلة والظروف، وحالة التطبيق هذه قابلةٌ لإساءة فهم النصوص أو المقاصد الشرعية، وقابلةٌ بالتالي لارتكاب الأخطاء، وقابلةٌ بالتبعية للمحاسبة والمساءلة والعقوبة؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه، وكان مما يوصيه به: "..، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلاَ تُنْزِلْهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُم عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِم أَمْ لاَ" [رواه مسلمٌ عن بُريدة: الحديث رقم 3253]؛ لأن الإسلام كان وما يزال يمتلك كل القابلية وكل القدرة على أن يكون فاصلاً بين التكامل والتجزيء، وبين الاتساق والتنافر، وبين الشمولية والمحدودية، وبين أهلية البشر للاختيار القاطع واستعدادهم للسقوط في الاختيار الحائر، وبذلك يظل الإسلام دينًا مختلفًا، ونموذجًا مختلفًا، وحلولاً حضاريةً مختلفةً؛ وهذا ما يجعل الإسلام نموذجًا فريدًا في هندسته التشريعية التي تتوزع بين الثابت والمتغير، ولكن أزمنة الانحطاط هي التي أودت إلى مدنيين مزودين بكل معاول الجرأة والمصادمة في مواجهة الثابت الممنوع من التغيير، وإلى دينيين مزودين بكل أدوات التردد والانهزامية في مواجهة المتغير المأمورين بتغييره.

 

في التطبيقات القديمة للدولة الإسلامية، كانت الحرية الدينية والشخصية مكفولةً لكل أطياف المجتمع بمن فيهم أتباع الأديان الأخرى، على النحو الذي لا يمس بهوية المجتمع الإسلامي وخصوصية نشاطه الاجتماعي أو يتعارض معهما، ولم تكن الدولة تتدخل في الممارسات الحرياتية أو تتصدى لقمعها إلا في الحالات التي ظهرت فيها تياراتٌ أو طوائف أو مذاهب تحاول انتحال نسخةٍ مغشوشةٍ من الدين ومنحرفةٍ عن المنهج ثم تحاول ترويجها على أنها هي الأصل لاستغلالها سياسيًّا أو فكريًّا أو اجتماعيًّا أو ماليًّا، وتتسبب بالتالي في إحداث تصدعاتٍ خطيرةٍ في بُنية المجتمع الإسلامي، أو تشكل تهديدًا على وحدة الدولة وترابطها، أو تعمل على طمس هويتها الثقافية؛ وفي التطبيقات الحديثة للدول المتقدمة، نجد هذا الاتجاه ما يزال سائدًا وبقوةٍ برغم التشدق بالحريات التي لا تكاد تتجاوز الحريات الأخلاقية والسلوكية وحدها، فالتيارات والتوجهات والأفكار والديانات والأحزاب مكفولة الحرية، وإلى المدى الذي يوصلها إلى قمة الهرم السياسي، ولكنها تظل حريةً مؤطرةً ومشروطةً بالتعايش والتعاون البنائي الذي يطور المجتمع ويحقق ترابطه وتماسكه ووحدته، لا أن يفككه ويشق صفوفه ويلغي خصوصيته الثقافية ويعيق حركته الحضارية الصعودية؛ المهم أنه تحت جميع الظروف، يظل الخلاف الفكري والمنهجي بين تلك التيارات والتوجهات والأفكار والديانات والأحزاب قائمًا ومحتدمًا، ولكنه خلافٌ من أجل الرقابة على أداء الحزب الحاكم، ومن أجل ابتكار برامج ومشروعاتٍ سياسيةٍ أكثر تطويرًا وأكثر تقديمًا للحلول الاجتماعية، وأكثر تقويةً للجبهة الداخلية للمجتمع، وأكثر تأثيرًا في المجتمع الدولي.

 

في هذه الأجواء السياسية والفكرية والعقيدية الملبدة بدخان "ثوراتها الربيعية"، تكون المجتمعات العربية، التي تكاد تقف وحيدةً في نهاية الطابور العالمي، أمام اختبارٍ حقيقيٍّ ودافعٍ حقيقيٍّ لتفادي انزلاقها وتهورها الاستراتيجي، ولاختيار فرصة إجراء محاكاةٍ عادلةٍ موضوعيةٍ لخلافاتها الفكرية والعقدية، بناءً على قراءتها الواعية لتضاريس المشهد السياسي والحضاري ولاتجاهات حركة التاريخ؛ وأن تدرك ولو متأخرةً أن شَغَبها الفكري حيث يحتدم الخلاف من أجل الخلاف، وحيث يُستخدَم النفوذ والوسائل اللاأخلاقية لإلغاء الآخر، وحيث يتم تصيد الأخطاء أو إصدار الأحكام من طرفٍ واحدٍ، كان وسيظل محاولةً عديمة النتائج حتى ولو نجحت في تمرير أفكارها وبرامجها وسياساتها التي يغلب عليها طابع المصلحة الشخصية والرغبة الفردية والتقليد الأعمى أكثر مما تنطوي عليه من طموحات النهوض وتقديم الحلول لإعادة إعمار الأمة.

 


 


[1] الموروث عندما يخضع لمنهجية إعادة التفكير والبحث والفهم في ضوء القواعد والأصول والحقائق العلمية، وتتضح استمرارية صحته وقابليته للاعتقاد والتطبيق، فإنه لا يعود موروثا، بل يصبح حقيقة مؤيدة بالدليل العلمي؛ ويرتبط بذلك أن القواعد والأصول والحقائق العلمية التي لم تجد حقائق أخرى تدحضها لا يصح اعتبارها موروثات، بل هي حقائق كونية ثابتة وقاطعة كسائر الحقائق التي تحكم الظواهر الطبيعية والاجتماعية على اختلاف أنواعها منذ الأزل وحتى هذه اللحظة، حتى ولو ثارت ضدها الشكوك التي ستظل شكوكا لا قيمة لها إلى أن تجد دليلا يؤيدها.

[2] يقول الله تعالى مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام: "فَاعْلَمْ، أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، .." [سورة محمد: الآية 19]، وهذه الآية حجة في تقديم العلم على التوحيد، فبدون العلم يصبح التوحيد ضربا من العادة أو التقليد أو ربما الهوى.

[3] المَدَني والمَدَنية (بفتح الميم والدال) تصريف خاطئ، لأنه منسوب إلى كلمة مَدَن وهي لا تعني المقصود وهو المُدُن (بضم الميم والدال)، والمنسوب لا يكون إلى الجمع إلا للضرورة، بل يكون للمفرد لأنه أبلغ وأصح، وبذلك يكون الصواب أن يقال المديني والمدينية (بفتح الميم وكسر الدال) نسبة إلى كلمة مدينة، وقد استخدمت التعبير الدارج في هذا المقال رغم خطأه لتوضيح الفكرة.

[4] في الوقت الذي تقوم فيه القوى المناهضة للديني بمناوأة الدين المؤثر في حركة المجتمع، ومحاولة العمل على تسطيحه وقولبته في التراثي والأثري، فإنها لا تتورع عن التباكي على الأديان المندثرة ومحاولة إحيائها من أجل استخدامها كآلية للوصول إلى مصالحها السياسية والثقافية، أو من أجل الطعن أو التشكيك في الدين الغالب أو المسيطر للتقليل من أهميته.

[5] تأتي مناهضة فكرة الحكم الديني أو تديين الدولة تصديقا للحديث الشريف الذي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: "لَتُنْقَضُنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَتْ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُ نَقْضِهَا الحُكْمُ، وَآخِرُهَا الصَّلاةُ" [المستدرك على الصحيحين: ج 4 ص 104].

المشاهدات 1412   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك