هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


ضوابط ومعايير أساسية في منهج كتابة التاريخ الأسلامي (2)
تاريخ الاضافة 
 

ضوابط ومعايير أساسية في منهج كتابة التاريخ الأسلامي (2)

.. والكمال لله وحده .. ومحاولة استعادة معطياتنا التاريخية كما تشكلت بالفعل ، بدقائقها وتفاصيلها ، أمر ليس بمستطاع الأنسان ، لاسيما وانه يتعامل مع مادة تنضوي تجت دائرة العلوم الأنسانية لا العلوم المنضبطة (Exact Sciences  ) كبعض العلوم الصرفة والتطبيقية.

ويتعامل ، ايضا ، مع وقائع يفصل بينها وبين الباحث حاجز الزمان والمكان ، هذا الى أن الرؤية التاريخية القادمة الينا من مظانها الأولى ليست ، في كل الأحيان ، امرا يقينيا لكي نقيم عليه بنيان المعمار التاريخي ، بل اننا قد نجد ما هو نقيض هذا احيانا سيولا من الروايات التي تتطلب قدرا من الصرامة النقدية لرفضها أو قبولها ، فيما سبق وان نبه اليه ابن خلدون في " المقدمة" ، والقاضي أبوبكر بن العربي في " العواصم من القواصم" وغيرهما ممن انتبهوا الى ما تضمنته هذه الروايات من " احتمالية" قد تصل ، بتعبير الطبري في مقدة تاريخه المعروف ، حد الأستشناع الذي يصدم القاريء او السامع ويدفعه الى عدم ألأستسلام للرواية التاريخية. هانحن اذن بازاء ثلاث طبقات منهجية يجب اجتيازها وصولا الى " الحالة" الملائمة للتعامل مع التاريخ الأسلامي . واذا كانت الطبقة الأولى ، بتقنياتها المنهجية العالمية المتفق عليها ، معروفة تماما ، واذا كانت الطبقة الثانية قد تلقت بعض المحاولات على مستوىي التنظير والتطبيق ، فان المعضلة تتبدى في الطبقة الثالثة ، والأكثر اهمية ، تلك التي تعني بتصميم الشروط والضوابط والمعايير التي لابد من الأخذ بها ، اذا اردنا فعلا أن نستعيد تاريخنا الأسلامي ..أن نكتب ، أو نعيد كتابة تاريخ أمة أسلامية لا أمريكية او روسية أو صينية او انجلوسكسونية أو لاتينية . ستكون الصفحات التالية " مقترحات" وليست صيغا نهائية على هذا المستوى المنهجي الثالث ، والأكثر أهمية ، بسبب من ارتباطه بالمنظور الشامل لحركة التاريخ ، وستتضمن عددا من الضوابط والمعايير التي يمكن أن يضاف الهيا الكثير فيما بعد ، كما يمكن أن ينخل ويصفى منها ما يخرج عن دائرة الضرورة .

انها اشبه بموجهات عمل منهجية ، تستهدف حماية أي محاولة جادة لكتابة التاريخ ألأسلامي ، او اعادة كتابته ، من الجنوح أو الأنحراف ، او التزوير والتزييف ، فيما يخرج وقائع هذا التارخ ، وطرائق تشكله وصيرورته ، عن بيئتها الحقة ، ويعيد تركيبها في بيئات وأنساق غربية هجينة ، من شانها أن تصد المقاربة عن الماضي الى هدفها بالصيغة العلمية المطلوبة ، فيما هو نقيض المنهج أبتداءا.

أولا: ، قبل أي أمر آخر ، ضرورتان أساسيتان لايمكن ، بدون الأخذ بهما ، البدء من النقطة الصحيحة . أولاهما : أن يكون الباحثون على المام مناسب بملامح التفسير الأسلامي للتاريخ البشري ، والتي تضع تحت أيديهم مجموعة قيمة من الضوابط التصورية التي لايمكن فهم التاريخ ألأسلامي بدون هضمها وتمثلها . ان التفسير الأسلامي ، وهو يسعى وفق منهجه الخاص للكشف عن قوانين الحركة التاريخية وسننها على مستوى العالم ، يضع في الوقت نفسه منظومة صالحة من القيم  التي تفسر تاريخ الأسلام نفسه ، بما أن الأنسان في كلتا الحالتين هو رحى التاريخ وقطبه ، وبما ان السنن التي تعمل عملها في نسيج الحركة التاريخية هي نفسها سواء عملت على مستوى التاريخ البشري أم الأسلامي .

أما الضرورة الثانية : فهي أن يكون الباحثون على وعي مشترك بخصائص التاريخ نفسه ، ليست الخصائص الجزئية التفصيلية ، وانما تلك التي تمثل امتدادا أكبر في الزمن والمكان ، وتمنح هذا التاريخ خصوصياته المؤكده التي تميزه عن تواريخ الأمم والجماعات والشعوب . ولن يناقش أحد في أن تاريخ الأسلام يحمل ميزات خاصة كهذه بما أنه ، من بين عوامل عدة أخرى، نتاج لقاء حميم بين الوحي والوجود .

ان الأخذ بهاتين الضرورتين يمكن أن يحمل معه الأفادة القصوى من الحدين الأيجابي والسلبي للمسألة في أطارها المنهجي . فاما الحد الأيجابي فهو اعانة الباحثين على ادراك أعمق لوقائع هذا التاريخ وسبل تكوينه . وأما الحد السلبي فهو منع هؤلاء الباحثين من شتات الأمر ، والتبعثر في كل اتجاه ، بل من التصادم والتضارب أحيانا ، في التصورات والتحليلات ، وبالتالي في النتائج التي ستمخض عنها العمل ، الذي سيغدو ، رغم ما ينطوي عليه  من بذل وعناء ، ضربا على غير هدي ، ولن يأتي بالنتيجة المتوخاه من تقديم نسيج متوحد لوقائع التاريخ الأسلامي مقاربا قدر الأمكان لصيرورة هذا التاريخ وقوانين تشكله .

ثانيا : تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية ، العسكرية ، وبين فحص وتحليل الجوانب الحضارية ، مع الأخذ بعين الأعتبار ضرورة أن ينظر الى المعطيات الحضارية بوصفها أجزاء متفرقة تنتمي الى كل أوسع ، يتضمنها جميعا ويمنحها معنى وهدفا .

وليس من الضروري ، بصدد هذه النقطة ، أن يقف الباحثون عند سائر التفاصيل والجزئيات التي تعج بها مصادرنا القديمة ، وبخاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والعسكرية من تاريخنا ، ليس من الضروري أن يقع الباحث أسير هذا الحشد الزاخر من النصوص ، ولابد له ، اذن ، من أن يتجاوز الجزئيات الى الكليات ، والوقائع الصغيرة الى الدلالات الخطيرة ، ولايقف عند حدود النص أو الواقعة بل يتعداها الى معناها العميق ودلالاتها الموحية ، وحينذاك سيقدر على تحقيق عملية الأختزال والتركيز ، اذ أن كل مجموعة من التفاصيل والجزئيات تندرح تحت هذا المعنى أو ذاك ، وتمنحنا هذه الدلالة او تلك ، في سياق الحركة التاريخية الأكبر حجما ، ومن ثم تغدو هذه الجزئيات عبارة عن مواد كمية ، او نماذج متشابهه ، يمكن اعتماد عدد محدود من عيناتها للتوصل الى الصيغة البنائية الأكبر للواقعة التاريخية ، وبالتالي التخلص من ركام التفاصيل الذي يثير الأرباك في ذهن القاريء أكثر مما يحقق من سيطرة على الحركة التاريخية وتفهم لصيرورتها .  

 

 

 

المشاهدات 3146   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك