هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


مفاهيم ينبغي ان تصحح : مفهوم العبادة (18)
تاريخ الاضافة 
 

 

                    مفاهيم ينبغي ان تصحح : مفهوم العبادة (18) 

أما في الأسلام ، في صورته الصحيحة ، فقد كانت الأخلاق قيما حقيقية اصيلة لأن هدفها لم يكن الربح المادي ، ولا كانت قائمة عليه ، انما هدفها الوفاء "بالميثاق" المعقود مع الله ، وقائمة على قاعدة " العبادة " لله . كما كانت كذلك قيما حضارية أصيلة لأنها ذات صبغة " انسانية" غير محصورة في جنس ولا لون ، انما هي صادرة من " الأنسان" بوصفه انسانا ، مؤمنا ، وموجهة الى  " ألأنسان" حتى ولو لم يكن مؤمنا بما يؤمن به المسلمون .

وحين كانت الأمة تمارس ايمانها الحق ، وعبادتها الحقة ، وكانت " الأخلاق" في حسها جزءا من العبادة المفروضة على المسلم المؤمن حدثت معجزات كثيرة لم تتكرر في التاريخ .

ففي أقل من نصف قرن امتد الفتح ألأسلامي من الهند شرقا الى المحيط غربا ، وهي سرعة مذهله لامثيل لها في التاريخ كله . ولم يكن الكسب هو " الأرض" التي فتحت ، فما خرج المسلمون من الجزيرة يريدون التوسع في ألأرض ! انما كان هدفهم ، كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس : " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ، ومن جور الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة " .

كان الكسب الأعظم هو " القلوب" التي اهتدت بنور الله فدخلت في دين الله .

ولم يكن ذلك عن رهبة من سطوة الفاتحين ، ولا قهرا قهرهم عليه الفاتحون ! فقد أمنوهم على أنفسهم وعلى عقائدهم ، وشهد الناس بأعينهم حقيقة الأمان الذي منحه المسلمون لمن بقي على دينه ولم يشأ أن يدخل في الأسلام .

انما كانت " أخلاق" الفاتحين من أكبر الأسباب التي فتحت قلوب الناس لهذا الدين . ولاعجب فقد كانت أخلاق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من قبل من أكبر الأسباب في هداية من اهتدى من الناس كما شهد له ربه :

" وانك لعلاى خلق عظيم" [1].

" فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك " [2].

ولم تقف المعجزة عند السرعة المذهلة التي تم بها الفتح ، ولاعند دخول ملايين من البشر طواعية وحبا في الدين الذي أتى به الفاتحون ، ولا في تحول المهتدين الى جنود مخلصين للعقيدة التي اعتنقوها يجاهدون لنشرها في الأرض مختارين متطوعين لايدفعهم أحد ولايضغط عليهم أحد .. انما امتدت المعجزة الى ظاهرة لم تتكرر قبل ولابعد ، هي دخول هذه الملايين في اللسان العربي ، حتى من بقي منهم على دينه ولم يعتنق الأسلام ، ونسى النصارى في مصر والشام وغيرها من البلاد المفتوحة لغاتهم التي كانوا يتكلمون بها ، ويؤدون بها عبادتهم وصاروا يتكلمون العربية ، ويكتبون بالعربية ، ويؤدون عباداتهم ، على دينهم ، بالعربية !

بل امتد الأسلام الى رقاع واسعة من آسيا وأفريقيا ، سلما ، على يد تجار جاءوا للتجارة لا للدعوة ! ولكن أخلاقهم الأسلامية حببت الناس فيهم ، وفي دينهم الذي رباهم على اخلاقياته ، فدخلوا في هذا الدين !

ضع في مقابل ذلك ما يحدث اليوم من صد عن سبيل الله يقوم به " المسلمون" بسبب سوء أخلاقهم !

ان أوروبا ، بامتدادها الغربي كله حتى أمريكا ، قد وقعت اليوم في الضنك الذي أنذر به الله من أعرض عن ذكره : " ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيادمة أعمى" [3].

وهو ضنك نفسي لايخفف من آثاره كل التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي والأقتصادي والعمراني الذي يعيشون فيه ، بل ان " مجتمع الوفرة" الذي وصلت اليه بعض الشعوب متجاوزة به " مجتمع الرفاهية" [4] قد وصل فيه الضنك النفسي الى الذروة ، متمثلا في القلق والجنون والأنتحار والأمراض النفسية والعصبية وادمان الخمر وادمان المخدرات والجنوح والجريمة والشذوذ وفساد الفطرة ...

والناس هناك يبحثون عن طريق الخلاص .. ومنهم من يعتنق البوذية ، ومنهم من يدخل في عبادة كرشنا ، ومنهم من يتخبط هنا وهناك ..

والأسلام هو طريق الخلاص .. أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات الى النور ..

ومئات الناس في الغرب يدخلون في الأسلام كل عام ..

ولكن هذه المئات كان يمكن أن تكون ألوفا وملايين لولا عوامل كثيرة تصد الأوروبيين عن الأسلام ، منها الحاجز الصليبي ولاشك ، ومنها النفور من " الدين" عامة بسبب ما فعلته الكنيسة الأوروبية في تشويه صورة الدين وتنفير الناس منه بفظاظتها وطغيانها .. ومنها كذلك واقع المسلمين !

ان كثير من الناس في الغرب يستمعون الى الدعاة المسلمين يحدثونهم عن الأسلام ، ثم يقولون لهم بلسان الحال أو المقال : اذا كان الأسلام بهذه الصورة الجميلة التي تعرضونها ، فلماذا أنتم هكذا ؟! لماذا أنتم كذابون غشاشون مخادعون مخلفون للوعد غير مستقيمين في تعاملكم ..فضلا عن كونكم ، فيما بينكم وبين أنفسكم ، متعادين متباغضين لاتجتمعون على شيء ! [5]

 


 

[1] سورة القلم : ألاية 4 .

[2] سورة آل عمران : الآية  159 .

[3] سورة طه : ألاية 124 .

[4] كانت الشعوب "المتقدمة " تبحث أولا عن رفع مستوى المعيشة ، فلما رفعته سعت اللا الرفاهية ، فلما بلغتها صارت تبحث عن الوفرة ، وهي مرحلة اقتصادية أبعد ...

[5] ينفر الغرب كذلك من التخلف الحضاري والمادي والعلمي . ولكن الذي ينفره أكثر هو السوء الأخلاقي الذي يرونه في حياة المسلمين من الكذب والغش وخلف الوعد والطرق الملتوية في التعامل .


المشاهدات 1471   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك