هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


رسالة يابانية ساخنة إلى خليج متجمد
تاريخ الاضافة 
 

 

                              رسالة يابانية ساخنة إلى خليج متجمد

أثناء استراحةٍ لتناول الشاي بإحدى الندوات التي كانت تُعقد في ثمانينيات وتسعينيات القرن السابق بدول مجلس التعاون الخليجي تحت عنوان "التجربة اليابانية"، طُلب من أحد المحاضرين اليابانيين أن يضع سر الثورة الصناعية اليابانية ونموذجها الحضاري في كلماتٍ موجزةٍ، فأجاب بأن السر- وبدون التشعب في التحليلات التنظيرية والفلسفات التحليلية- تختزله مبادرةٌ كان يقوم بها الطلبة الذين تبتعثهم الحكومة اليابانية بأعدادٍ محدودةٍ إلى الخارج لاستكمال دراستهم الجامعية، لأن خزينة الدولة- بعد الحرب العالمية الثانية- كانت منهكةً ومحدودة الموارد، فلم تكن تُسعفها لابتعاث كل الطلبة المؤهلين للابتعاث؛ فما كان من الطلبة المبتعثين إلا أن يتكافل كل ثلاثةٍ أو أربعةٍ منهم باقتطاع جزءٍ من مصروفاتهم الشهرية، وهذا المبلغ المستقطع كانوا يخصصونه لتغطية تكلفة ابتعاث طالبٍ يابانيٍّ آخر ليستكمل دراسته الجامعية على حسابهم.

 

1. مشاهدةٌ سطحيةٌ لتجربةٍ عميقة الدلالات

لقد مر على تلك الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث التي تحدثت عن التجربة اليابانية أكثر من ثلاثين عامًا، دون أن يتمكن الخليج من قراءة تلك الرسالة الثرية بالدروس وبالدلالات وبالحلول التي يمكنها أن تجعله يتزحزح باتجاه الخروج من نفق الدوران حول النفس والتحرك نحو بقعة الضوء الآتية من نهاية النفق؛ ثلاثون عامًا لم تكن كافيةً أبدًا ليتعلم الخليجيون شيئًا من اليابانيين، أولا: لأن حضور تلك الندوات والمشاركة فيها كان نوعًا من الوجاهة الإدارية، فكان بذلك حضورًا جامدًا ومنغلقًا ولم يكن حضورًا شغوفًا ومتطلعًا، لأنه كان استعراضًا مظهريًّا يُقصد به ملء قاعة الندوة بالشخوص وبالأسماء، ولم يكن استثمارًا معرفيًّا تحضره العناصر ذات الخلفيات الخبراتية والاستعدادات المهنية والأدوات والأساليب الأكاديمية، والمؤيدة بالدعم الإداري وبالقرار السياسي لدراسة الظاهرة اليابانية وتحويلها إلى خططٍ تطويريةٍ وإلى برامج عمل وإلى ممارساتٍ؛ وثانيا: لأن الخليجيين كانوا يركزون أنظارهم على النتائج والإنجازات اليابانية، ولم يتفطنوا إلى أن يركزوا أنظارهم على المجهودات والمبادرات والتضحيات التي بُذلت، وعلى النفسيات والعقليات التي تغيرت، فالخليجي المعتاد على أن يفكر فيما يجب على مجتمعه أن يقدمه له، لم يقع بصره على الياباني الذي كان يفكر فيما يجب عليه أن يقدمه هو لمجتمعه؛ وثالثا: لأن الخليجيين كانوا يعتقدون أن طريقة النسخ واللصق كافيةٌ وحدها لنقل تجربةٍ حضاريةٍ هائلةٍ كالتجربة اليابانية بين عَشِيّةٍ  وضحاها؛ ولذلك لم يتمكن الخليجيون من نقل شيءٍ من التطور الصناعي والزراعي والاقتصادي الياباني، ولم يتمكنوا من نقل شيءٍ من ثقافة احترام العمل والنظام والوقت ومن مفاهيم الفاعلية الإنتاجية والرقابة الذاتية والاستخدام الأمثل للموارد ومن مبادئ الجودة، ولم يتمكنوا من نقل شيءٍ من عقلية الاهتمام بالدراسة العلمية وتطبيق منهجية البحث العلمي وإعطاء الأولوية للتطوير والإنتاج العلمي والأكاديمي، ولم يتمكنوا من نقل شيءٍ من أساليب التنظيم السياسي والإداري وبناء المنظومات المؤسساتية، ولم يتمكنوا من نقل شيءٍ من ممارسات الحرية وتطبيقات أنظمة العدالة الاجتماعية؛ ورابعا: لأن المجتمع الخليجي خلال تلك الحقبة الزمنية، الكفيلة بنقل الخليج نقلةً حضاريةً مؤثرةً، كان ينظر إلى المعجزة اليابانية بشكل مبسطٍ ومسطحٍ، وكان يظنها مجرد خطةٍ تنمويةٍ- كخطط التنمية الخمسية أو العشرية التي نفذتها الأجهزة الحكومية ولم تتجاوز إنجازاتها بناء المساكن الشعبية- ولكنه لم يفهم أن المعجزة اليابانية كانت نتاجًا لحركةٍ حضاريةٍ وتطويريةٍ وبنائيةٍ شاملةٍ للأمة بكاملها، وعلى مستوياتها الفكرية والعلمية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقيمية والعقديدية، وأنها اعتمدت على البرامج والخطط والمشروعات التي استخدمها اليابانيون للعبور من حالة الانهيار إلى حالة المعجزة؛ وخامسا: لأن المجتمع الخليجي، الذي ما يزال مغرمًا بالمظاهر وباجتزاء الحلول، لم يتمكن طوال تلك الحقبة من الفكاك من فكرة قوة النقود، وقدرتها السحرية على شراء الحلول والأفكار والجهود المجهزة والمسبقة الصنع، ومع ذلك فإن النقود الخليجية خيّبت آمال الخليجيين ولم تتمكن إلا من شراء السلع الكمالية الفاخرة والمظاهر الترفيّة الفارغة محاكيةً بذلك النموذج الأرجنتيني في ثلاثينيات القرن السابق، كما تمكنت النقود الخليجية من شراء قوة العمل الخدمية التي لا تعود على المجتمع إلا بالمزيد من الكسل والاتكالية وتكريس الأسلوب الاستهلاكي في الإنفاق، ومن شراء المهارات التي لا قيمة لها كالمدربين الرياضيين واللاعبين المحترفين والفنانين ذوي الصلاحية المنتهية، ومن شراء القليل القليل جدًّا من الكفاءات والمهارات التخصصية المهمة؛ ومع أن المحاولات كانت كثيرةً، والآمال كانت كبيرةً، والموارد كانت وفيرةً وسخيةً، إلا أن الإنجازات كانت متناثرةً وعشوائيةً، ودون الإمكانات المتاحة، ودون الطموحات بكثيرٍ؛ وسادسا: لأن المجتمع الخليجي لم يتعلم من التجربة اليابانية بل سمع عنها كحكايةٍ مشوقةٍ من حكايات قبل النوم، ولم يتمكن من تشخيص مشكلته بشكلٍ دقيقٍ، أو لم يعترف أصلاً بأنه يواجه مشكلةً حضاريةً حقيقيةً، ومن هنا فإنه لم يجد نفسه محتاجًا إلا إلى قشور التجربة اليابانية ومنتجاتها الصناعية فقط.

 

2. تجربةٌ لم تجد محاولةً لاستنساخها

ثلاثون عامًا عِجافًا مضت، والخليجيون مجرد معجبين ومصفقين للمعجزة اليابانية، ولكنه ظل إعجابًا مفتقدًا إلى المصداقية، وعاجزًا عن التحول إلى رغبة وعن الوصول إلى مرحلة إرادة التغيير وعن تفعيل المحركات التطبيقية لمحاكاة التجربة أو بناء تجربةٍ جديدةٍ على شاكلتها، ولذلك ظل الإعجاب محصورًا في اقتناء السلع والمنتجات اليابانية، وفي الانبهار بالمنجزات المتلاحقة التي كان اليابانيون يسابقون بها العالم؛ ومع أن الخليجي ظل منبهرًا بالعقل الياباني المبتكر والصانع والمنتج للسلع الجالبة للمال وللثروة، إلا أنه لم يتمكن من مقاومة الانسياق لمغامرات العقل المخاطر بالألاعيب والحيَل الاستثمارية والمالية من أجل الوصول إلى الثروة بأقل الجهود الممكنة، لا من أجل استخدامها في بناء معجزةٍ حضارية، ولكن من أجل الاستمتاع بشراء منتجات التجارب الحضارية الأخرى؛ وهكذا مضت تلك السنون العجاف ولم تنجح المليارات التطويرية والتنموية التي أنفقتها دول الخليج إلا في تطوير شيءٍ من مكملات التطوير، فظهرت بعض عناصر البنية التحتية، وظهرت الأبنية التعليمية والصحية الناقصة التجهيز والسيئة الخدمات، وظهرت وسائل الاتصال والتقنية المتطورة لكي تخدم الاقتصاد المدلل، وظهرت الأبنية والإنشاءات العقارية والهندسية الذكية، ولكن الإنسان الخليجي الذكي والمتزود بالكفاءة العلمية والدراية المهنية والمهارة الذهنية وبالاستعدادات الشخصية والنفسية والسلوكية وبالعقلية التغييرية وبثقافة التحدي والمبادرة لم يظهر إلا في زاويةٍ مهملةٍ من زوايا المشهد التطويري، وبدا دخيلاً على تلك الحركة الخاملة والخاطئة الاتجاه؛ فالمجتمع الخليجي لم ينجح في التفوق على نفسه بالتخلي عن فكرة القصور الفطري والعجز القدري للإنسان الخليجي في مقابل سيطرة فكرة العبقرية الفطرية والتفوق القدري للإنسان الياباني والأجنبي بشكلٍ عامٍّ؛ وعندما جنح المجتمع الخليجي إلى مجاراة المجتمع الياباني في النتائج والإنجازات التي حققها، وقع في مصيدة الاستسلام لأمنيات الوصول الفوري والسريع إلى تلك النتائج والإنجازات، فكانت النتيجة أن سيطرت عليه عقلية البحث عن الحلول المختصرة والسهلة والسريعة على طريقة معلبات الأطعمة الجاهزة، ولم ينظر إلى النتائج والإنجازات التي يرغب في تحقيقها كأهدافٍ بعيدة المدى قد تمتد- كما فعلت بالمجتمع الياباني- إلى عدة أجيالٍ من أجياله قبل أن تتحقق على أرض الواقع، كما أنه لم يتمكن من تجاوز التفكير في القشور الحضارية والأشكال الظاهرية للمنجزات المتطورة، إلى التفكير في محفزاتها ووظائفها وتأثيراتها وانعكاساتها، ولذلك فإنه لم يتخذ من الدراسات والمبادرات والتحضيرات ومن المشروعات ومن البرامج ما يمكّنه من الوصول إليها بالشكل الصحيح؛ وبينما كان الإنسان الياباني يملك من الجرأة ومن الشجاعة ما يجعله يُحاكم نفسه ويُقدم على الانتحار عندما يفشل في مسؤولياته الوظيفية أو يرتكب خطأً جسيمًا، لكي لا يضع مجتمعه تحت ضغوط الشفقة عليه، ولكي يترك المجال من بعده لمن هو أكثر كفاءةً منه، فقد كان الإنسان الخليجي يتفنن في البحث عن الأعذار والتبريرات للمخطئين وللمقصرين وللمهملين وللمختلسين وللانتهازيين الذين لا يزيحهم من أماكن ممارسة فسادهم الإداري إلا تدخل الأقدار بالإعاقة البدنية أو بانتهاء الأجل، أو أن يزيحهم قرارٌ فوقيٌّ، لأن القناعة الشخصية وحدها تمكنت أخيرًا من إبطال مفعول الثقة الممنوحة.

 

3. بعض مفاتيح اللغز الياباني

لقد كان المحاضر الياباني محقًّا وأمينًا بإيجاز التجربة اليابانية في التضحية الأسطورية التي كان أبطالها طلبةٌ مُبتعثون إلى الخارج لاستكمال دراساتهم الجامعية، فكان جديرًا بهذا الحس الحضاري، وبهذه الرسالة الأخلاقية أن تأتي غنيةٌ بالدروس والدلالات والمضامين والقيم والعلامات الفارقة؛

فأولاً: بدا الاهتمام الياباني بالعنصر البشري أولويةً غير قابلةٍ للمساومة، فكان الإنسان هو محور التغيير الحضاري والتقدم التقني والعلمي والتنظيمي، ومن هنا جاء حرص المجتمع الياباني على تطوير الإنسان الياباني قيميًّا وأخلاقيًّا وعقليًّا ونفسيًّا وتعليميًّا وصحيًّا واقتصاديًّا، ولم يتعجل هذا المجتمع الذكي الأمور باستيراد جيوش العمالة المستوردة ذات المهارة المتدنية أو شبه المعدومة؛ ومع ذلك فإن اختيار المبتعثين إلى الخارج للتزود بالتحصيل العلمي والمهارة المهنية لم يكن اختيارًا عشوائيًّا، ولم يكن اختيارًا تتلاعب به اعتبارات المحسوبية والمجاملات الاجتماعية، ولم تتحكم فيه تفاضلية الفروقات الطبقية أو العرقية أو القبلية أو المذهبية أو الجنسية، بل كان اختيارًا مدروسًا ومخططًا ومبرمجًا، وكانت الأولوية فيه لتفاضلية فروق القابلية والاستعداد والكفاءة والجدارة والإمكانية والمهارة والقدرة والطموح؛ لأن المجتمع الياباني كان حريصًا على تجهيز الإنسان المتعلم تعلُّمًا حقيقيًّا يؤهله لتحمل مسؤولياته وواجباته، لا الاستكثار من أنصاف وأرباع وأعشار المتخصصين، من الحاصلين على شهاداتٍ جامعيةٍ أما حصيلتهم المعرفية فهي بالكاد تؤهلهم لاجتياز اختبارات الأمية.

وثانيًا: لأن ثقافة النهضة لم يحتكرها النظام السياسي ومؤسساته ورموزه، بل تحولت إلى هاجسٍ شمل كل قطاعات المجتمع من قمة الهرم الذي تمثله الإدارة السياسية إلى الطالب الجامعي الذي يعيش خارج اليابان بجسده ويعيش في داخلها بهمّه النهوضي وبمسؤوليته التاريخية، إلى أصغر عامل في الحقل أو في المصنع أو في المدرسة؛ وهذه الثقافة هي التي نقلت حُلم إعادة بناء اليابان من كونه مشروعًا مجتمعيًّا ليصبح حُلمًا شخصيًّا لكل يابانيٍّ؛ كل ذلك دون أن يضطر المجتمع الياباني إلى التنازل عن لغته وثقافته ودون التبرؤ من تراثه وهويته ودون التفريط في تاريخه وماضيه في سبيل تقمص حالة المجتمعات المتقدمة التي اقتبس منها عوامل نهضته.

وثالثًا: لأن الهدف الياباني كان واضحًا منذ البداية، وكانت التضحيات المطلوبة له في أقصى درجات الاستعداد والتهيؤ، لهذا تراجعت كل الأطماع والأهواء والمصالح الشخصية وتقزمت الاتكالية والأنانية أمام هذا الهدف النبيل، ورغم أن الطريق كان طويلاً ومضنيًا إلا أن محفزات الطموح والإرادة والرغبة والالتزام والفاعلية والمبادرة كانت حاضرةً دائمًا وفي أعلى درجات جهوزيتها، وكان الجميع مستَنفرًا على خط المواجهة، لاتميزهم إلا أحجام المهمات والأدوار والمسؤوليات والواجبات.

ورابعًا: لأن المنهجية التخطيطية كانت حاضرةً قبل لحظة البداية، ومن هنا جاء استشعار تحديات المستقبل ومخاطرها المحتملة، وجاء رسم الهدف النهائي، وجاء تحديد برنامجه الزمني، وجاء حشد الموارد اللازمة، وجاء تحضير الأرضية التشريعية والتربوية والتنظيمية والاقتصادية؛ ومع ذلك فإن الموارد والطاقات المحشودة لم تجد لها أي منفذٍ نحو أوجه النفقات الترفيّة والدعائية والاستعراضية إلا في أضيق حدودها، ولم يبدأ الاهتمام بالنشاطات الهامشية كالمنافسة الرياضية والعمل الفني إلا بعدما تحرك قطار الثورة الصناعية اليابانية في ثباتٍ وثقةٍ.

وخامسًا: لأن روح العدالة والمساواة كانت حاضرةً على كل المستويات، فكان تطبيق أنظمة العدالة الاجتماعية يُحسم بالحق، وكانت التفاضلية بين الأنداد تُحسم بالكفاءة وبالعطاء وبالإبداع وبالفاعلية وبالقدرة على تحقيق الهدف الأخير، وكانت الأولوية تُحسم بالتفاني وبالروح التي لا تعرف اليأس ولا تعرف الأنانية ولا تعرف المصلحة الشخصية.

وسادسًا: لأن المجتمع الياباني أدرك تكلفة هذا التغيير على المستوى السياسي، وأدرك النظام السياسي السائد ممثلاً في مؤسسة الحكم الإمبراطورية أن طبقة العاملين لن تعود بعد الثورة الصناعية أجيرةً أو مستعبدةً أو خاضعةً لمزاج القصر الإمبراطوري، بل ستصبح هي مصير اليابان ومستقبله، فكانت التضحية الكبرى بتقبل دفع تلك التكلفة والانزواء المتعقل وراء الهالة القدسية للأسرة الحاكمة التي توارت في ظلال العرش الإمبراطوري، وتركت تسيير الشأن اليومي لقوة العمل ولطبقة العاملين التي حملت على عاتقها المسؤولية الكاملة لنقل اليابان من حالة الدولة المهشمة والمُنهكة بفعل الحرب والدمار، إلى حالة المعجزة، وإلى حالة المِثال، وإلى حالة النموذج، وإلى حالة ثاني أو ثالث أقوى اقتصادٍ في العالم.

 

اليابان التي تبلغ مساحتها 378 ألف كيلومترٍ مربعٍ، 80% منها أرضٌ جبليةٌ لا تصلح للاستخدام وفقيرةٌ في مواردها الطبيعية، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي عام 2011 حوالي 5,9 تريليونًا من الدولارات؛ بينما الخليج الذي تبلغ مساحته 2,423 ألف كيلومترٍ مربعٍ، أي الذي تزيد مساحته على مساحة اليابان بستة أضعافٍ، والذي يسبح على بحيراتٍ من النفط والغاز الطبيعي والموارد الطبيعية رغم أن 80% من مساحته أرضٌ صحراويةٌ، فإن ناتجه المحلي الإجمالي عام 2011  لم يتجاوز 1,4 تريليونًا من الدولارات المقبوض معظمها ثمنًا للنفط، وهي تمثل حوالي 24% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الياباني؛ وبينما يبلغ عدد سكان اليابان نحو 127,8 مليون نسمةٍ، 99.9% منهم هم من اليابانيين الذين تصل نسبة الأمية بينهم (بمفهومها الحديث) إلى الصفر، في حين تصل نسبة العلماء والخبراء وأصحاب المهارات العالية منهم إلى ما يزبد على 70%، فإن الخليج الذي يقطنه 46,8 مليون نسمةٍ فإن 80% من سكانه هم من بلاد الهند والسند وواق الواق، ونسبة الأمية بينهم (بمفهومها التقليدي) تصل إلى أكثر من 15%، أما نسبة العلماء والخبراء وأصحاب المهارات العالية منهم فلا تكاد تلامس 10% وربما أقل من ذلك.

 

هكذا تجعل الأرقام المجتمع الخليجي يبدو كئيبًا وشاحبًا وتائهًا ومنكمشًا وكسولاً ومستهلِكًا ومتفككًا، بينما تجعل المجتمع الياباني يبدو متألقًا ومرموقًا وواثقًا ومنطلقًا وحيويًّا ومنتجًا ومتماسكًّا، وهكذا تقول الأرقام إن الخليج الذي أمضى ثلاثين عامًا وهو يستمع إلى المواعظ والنصائح اليابانية، لم يُنصت جيدًا، ولم يحاول العثور على مفاتيح اللغز الياباني، ولهذا لم يتمكن من بناء منشأةٍ صناعيةٍ تنتج قطعًا أو مكوناتٍ تزود بها عملاقًا صناعيًّا مثل تويوتا، ولم يتمكن الخليج من تأسيس جامعةٍ متطورةٍ تضاهي جامعة طوكيو أو كيوتو؛ ومع أن المجتمع الياباني صنع معجزته وهو تحت فاشستية الوصاية الأمريكية، إلا أن نفس هذه الوصاية لم تشكل للمجتمع الخليجي استفزازًا كافيًا لنخوته السياسية، أو استثارة كافيةً لإبائه الاستراتيجي من أجل تأمين مستقبل أجياله القادمة، أو محفزًا كافيًا لكي يحاول أن يصنع معجزته التي يحاكي بها المعجزة اليابانية أو حتى التايوانية.

 

 

 

المشاهدات 1601   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك