هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


تحقيق سيادة الشعوب الخليجية في أوطانها (2/2)
تاريخ الاضافة 
 

 

                                تحقيق سيادة الشعوب الخليجية في أوطانها (2/2) 

    في الجزء الأول من حديثنا حول كيفية تحقيق الشعوب الخليجية للسيادة في اوطانها قدمنا للموضوع بتبديد بعض الشبهات التي كانت سببا في تثبيط شعوب المنطقة عن المطالبة بحقوقها كالتذرع بتحرير فلسطين او الجزر او عدم نضح الشعوب او غيرها من التبريرات التي تمكنت الحكومات من خلالها الى اسكات الشعوب عن المطالبة بالأصلاحات الحيوية التي لايمكن من غيرها ان تحقق هذه المنطقة كل من ألأستقرار والأزدهار ، وهي المطالبة التي تهدف الى تصحيح موازين القوى وارجاع السلطة والسيادة الى الشعوب وتحويل الحكومات الى خادمة لهذه الشعوب وخاضعة لأرادتها ومساءلتها ، وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يحقق التوزان المنشود في علاقة هذه الشعوب بحكوماتها . وفي هذا الشهر نكمل حديثنا بتسليط ألأضواء على أهم ألاليات التي يمكن ان تساعد في تحقيق التوازن المنشود وبصورة سلمية وبعيدة عن كافة اشكال العنف . ان عملية الأنتقال من سيطرة الحكومات التامة على مقدرات وقرارات الدول الخليجية الى وضع تكون فيه السيادة للشعوب وتصبح فيه الحكومات ممثلة لمصالحها وخاضعة لرقابتها يتطلب فهم عوامل القوة والضعف لدى كل من القوى الأصلاحية بكل اطيافها ولدى الحكومات الخليجية باشكالها . فلا شك ان الحكومات الخليجية تحتكر القرار والثروة ومكونات القوة الأخرى كالأمن والدفاع ولكنها كذلك تعاني من نقاط ضعف ليس اقلها انها استبدادية اي انها لاتستمد شرعيتها من شعوبها بصورة واضحة ونابعة من انتخابات دورية وشفافة ، ونقطة الضعف هذه عادة ما تكون سبب رئيسي في انهياراو تفكك النظام الأستبدادي او كما قال ارسطو : " تعمر أنظمة حكم الأقلية والأنظمة الأستبدادية الى فترات اقل من غيرها من الأنظمة الأخرى... فالأستبداد قليلا ما يعمر" [1]. اما الكتلة الأصلاحية فان اهم نقاط قوتها هي ان لديها قوة الحق التي لابد وان تنتصر على منطق الظلم والقوة المادية التي يمارسها النظام المستبد ، ولكن تفكيك ألأستبداد ليس مسألة سهلة فهي اقرب الى لعبة شد الحبل والأنتصار فيها يتطلب معرفة طبيعة النظام الأستبدادي واستغلال نقاط ضعفه ومعرفة الأهداف المنشودة من التغيير والأصرارعليها والصبرفي حالات الخسارة الوقتية وتغييرالتكتيكات وغيرها ، وهي امور لايتسع المجال هنا للخوض فيها جميعا ولكننا سنركز على اهمها من باب تفتيح الآفاق كعادتنا في هذه الأحاديث الشهرية .

 فاولا لابد ان يكون هناك وضوح رؤيا دقيقة لدى الكتلة المطالبة بألأصلاح حول الهدف أو الأهداف المنشوده حتى لاتحدث لاحقا انقسامات بين الفئة المطالبة بألأصلاحات خاصة عندما يبدا النظام في المساومات ومحاولة تفكيك جبهة المعارضة له بتقديم بعض التنازلات هنا وهناك الهدف منها سبرغورالمعارضة ومحاولة الأيقاع بين صفوفها . وفي سياق دول مجلس التعاون الخليجي اكدنا في اكثر من موضع بان تجارب هذه الدول عبر اكثر من اربعة عقود اكدت من غير ادنى شك بأن الحد الأدنى لتحقيق الأمن والتنمية المنشودين في هذه المنطقة هو تحقيق مشاركة فاعلة في داخل كل دولة تنتهي بملكيات دستورية تواكبها وحدة خليجية تنتهي بكيان خليجي موحد تسنده مظلة امنية عربية قريب من نموذج المجموعة الأوروبية ولامانع من التدرج في تحقيق الهدفين المنشودين طالما ان هناك وضوح للرؤيا وبرمجه للمساروقناعة من جميع الأطراف . هذا يعني ان مؤدى الرسالة التي ينبغي ان تبعث بها الفئات ألأصلاحية الى الحكومات الخليجية هي ان مرحلة ألأستبداد ، وحكم الفرد أو الفئة ، والعبث بمقدرات الشعوب وقراراتها ، والأستقواء بالأجنبي ، كلها امور قد انتهت في قلوب وعقول أبناء المنطقة منذ بداية الربيع العربي وقد حان الوقت لأنهائها على ارض الواقع لأنها من مظاهر الظلم التي يدينها الشرع وترفضها النفس السوية ، وبالتالي فان على هذه الحكومات ان تفعل ذلك باسرع وقت ممكن وتتجنب المماطلة والتسويف الذي لن يوقف هذه المطالب ولكنه سيرفع من تكاليف تحقيقها على جميع الأطراف .

العامل الثاني الذي لايقل اهمية في مسيرة تعديل موازين القوى بين الشعوب الخليجية والحكومات الخليجية هو ضرورة شفافية المقاومة السلمية وابتعادها عن سراديب السرية التي من اهم اخطارها انها تجعل القرارات حكرا على القلة التي قد لاتكون الأكفا وهذا بدوره يضعف من مصداقية التكتل المطالب بالأصلاح ، كما وان غياب الشفافية في برامج وممارسات المطالبون بالأصلاح يسهل على الحكومات ان تتهمهم بشتى الأتهامات امام الغالبية الصامته كالتآمر والأرهاب والعمالة كل ذلك لتشويه رسالتهم ومنع هذه الغالبية الصامته من الألتحام بهم أو التعاطف معهم ، وبالتالي فكلما كانت المقاومة السلمية ظاهرة وشفافة في تعاملها مع الحكومات ، كلما تمكنت غالبية السكان من معرفة حقيقة الصراع الدائر ومآلاته المستقبلية . ان المطلوب من دعاة الأصلاح ان يوضحوا للأغلبية الصامتة بانهم ليسوا طلاب سلطة ولا ثروة وليسوا اعداء للأسر الحاكمة وانما هم يسعون لتصحيح الأختلال الحالي بين الحكومات وشعوبها بحيث تصبح الشعوب قادرة على اختيار حكوماتها واخضاعها لمراقبتها في اتخاذ القرارات وتوجيه الثروات لما فيه مصلحة الجميع ، هذا يعني ان المواطن يحصل على كافة حقوقه والتي من اهمها ان يكون له ممثل في مجلس تشريعي منتخب يستطيع من خلاله ان يساءل جميع مؤسسات الدولة عن ما تقدمه له من خدمات صحية وتعليمية وتدريب وتوظيف وامن وبقية الخدمات ، وبذلك تصبح هذه الخدمات حقوقا يحصل عليها المواطن من غير مذلة واستجداء او الوقوف في طوابير للدخول الى مجالس القيادات السياسية كما هو حاصل الآن ، فالمطلوب هو ان تقدم هذه الخدمات للمواطن باحسن صورة وبعدالة عبر المؤسسات القائمة من غير استجداء ومن غير السماح للقيادات السياسية بلعب ورقة العطاء او المنع لأعتبارات تتعلق باتفاق المواطن معها أو اختلافه ، اي منع القيادات من تسيس حقوق الناس الأساسية ، وليس من المنطق ان يطلب في ظل مجتمعات اليوم من الرجال والنساء ان يقفوا على ابواب الحكام الذين احتجبوا وراء الجدران والحراس والسلاح ، وان يتعرضوا لكل انواع المشقة والمهانة حتى يحصلوا على حقوقهم واذا كان هذا ممكنا في ظل مجتمعات بسيطة فانه لم يعد ممكنا او مقبولا في عصرنا هذا وكم انكر العلماء والشعراء قديما هذا الوضع وحثوا الناس على طلب حاجاتهم من خالقهم وحده ، وهذا محمود الوراق يصف حال هؤلاء بقوله :

شاد الملوك قصورهم فتحصنوا           من كل طالب حاجة او راغب

فاذا تلطف في الدخول اليهم               راج تلقوه بوعد كاذب

فاطلب الى ملك الملوك ولاتكن             يا ذا الضراعة طالب من طالب

 فانت قد تجد اليوم طالبا متفوقا يحرم من البعثة الدراسية التي تعطى لطالب اقل منه اداءا علميا لأن هذا الأخير قريب من السلطة ، او ترى شخص يعاني من مرض مزمن قد يودي بحياته يحرم من العلاج اللازم داخل او خارج الدولة بينما يتقدم عليه شخص آخر من اتباع السلطة لايعاني الا من صداع عابرأو الم مفاصل عابراضافة الى شيء من البطر فيذهب هذا الأخير الى ارقى مستشفيات العالم ولا مانع ان تصادف رحلة العلاج هذه موسم الصيف فيضرب عصفورين بحجر اي انه يصبح بمثابة " المريض السائح " الذي يكلف الدولة مئات الالاف من الدولارات التي يمكن ان تصرف على علاج مئات من المرضى المعرضة حياتهم للخطر، بينما قد يموت المريض الفعلي في مستشفيات الدولة التي هي اقرب الى المقابر، هل تعلمون لماذا ؟ لآن اغلب المتنفذين ليسوا من زوارها . ولايختلف الحال في التوظيف والتدريب ، فالنظم الأستبدادية لاتهمها الأوطان وانما همها الأول الحفاظ على الأمتيازات التي تحتكرها من دون ابناء المجتمع  والا كيف لعاقل ان يقبل المعايير التي يتم على اساسها توظيف المواطنين ، فهل يعقل ان يتقلد الشخص المتنفذ ارقى المناصب ليس لكفاءة اولأمانة مشهودة له وانما بسبب قربه من القيادات السياسية ، بينما تحرم الأوطان من الطاقات المؤهلة لأنها تحارب الأستبداد وكل ما يسمعه الباحث عن الوظيفة هو ان الأمن قد رفضه ، هل هذا المعيار في اختيار الطاقات هو خدمة للوطن ام للأستبداد واعوانه ؟ وكذلك لابد من توعية المواطنين بان ما يحصل الآن من تدخل ، في القضاء لحرمان اصحاب الحق من نيل حقوقهم والتغطية على اهل الباطل ليتمادوا في ظلمهم وعدوانهم هو مسار الهلاك الذي حذرنا منه رسول صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا الصدد يقول الشاعرك :

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها                    فكيف اذا الرعاة لها ذئاب

نعم كيف يقوم العدل ودواوين الحكام لها حق الفيتو على قرارات القضاة في كثير من هذه الدول خاصة الأمارات والسعودية كما تؤكد مصادر وزارة الخارجية الأمريكية وكما نشاهد اليوم في قضايا ألمعتقلين في الأمارات والسعودية . ولقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ان نضع انفسنا مكان الاخرين للحكم على واقعهم وبالتالي فان من واجب كل حر في هذه المنطقة ان يضع نفسه مكان من تعرض للسجن أو من جرد من جنسيته او اختطف على طريقة " رامبو" الأمريكي او تعرض للتشهير ، ويسال نفسه اذا كان يقبل ان يحصل ذلك له فليدرك انه قد حكم على نفسه بالعبودية ولاينبغي ان يفرضها على احرار هذا المجتمع ، واذا لم يكن يقبل ذلك لنفسه فعليه ان يرفضه لغيره وعليه ان لايركن الى السلوك الذي يتصف بالظلم  حتى ولو صدر من اخيه ونحن في هذه المنطقة كلنا اخوة ..الظالم منا والمظلوم ، فاذا لم يكن قد اصابه ما اصاب غيره فانها مسألة وقت ثم ينطبق عليه المثل القائل " اكلت يوم اكل الثور الأبيض" لأن عدم رفضه للظلم الواقع على غيره يجعله عرضة لنفس الظلم حتى ولو بعد حين وقد انذرنا الله سبحانه وتعالى من الركون الى من ظلم غيره اوالقبول بظلمهم في قوله تعالى:"ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لاتنصورون" (سورة هود ، ألاية113) ، والمقصود بالركون هنا هو الميل الى الظلمة حتى ولو بدرجة قليله ، الأمر الذي يجعل الأنسان عرضة لعذاب الله . والرسول صلى الله عليه وسلم امرنا بنصرة اخواننا ظالمين أو مظلومين ، اما الظالم فنصرته هي برده عن ظلمه ، واما المظلوم فنصرته هي بالوقوف بجانبه حتى يسترد حقه ممن ظلمه ، وهذا سيدنا ابوبكر الصديق رضي الله عنه يسطر مبدأ العدالة الدائمة بقوله بعد توليه الخلافة " .القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له " او كما قال رضي الله عنه ، لذلك فلابد ان يعرف المواطن ان المطالب الأصلاحية هدفها توفير الحقوق السابقة وغيرها لمن لم تتحقق له ، وتوفيرها كذلك من غير استجداء ومذلة لمن تعود ان يحصل عليها على شكل هبات وعطايا وبعض المذلة ، وتأمينها لأجيال قادمة لن تتوفر لها حتى ظروف الأستجداء بسبب تعقد المجتمعات وكثرة البشر، وتوفيرها بصورة مستمرة لأن اسلوب الهبات الذي تتبعه هذه النظم في توزيع الثروة سيؤدي ان عاجلا أو آجلا الى تراجع كمية ونوعية هذه العطايا لغالبية الناس مع عدم تغير نصيب اعمدة هذه النظم من ثروة المجتمع وقارنوا بين ما كان يحدث في السبعينات واليوم . باختصار ان مطالب الأصلاح هي من اجل ايجاد مجتمع الأحرار والمواطنة الواحدة التي لايتميز فيها الناس الا بالكفاءة والأمانة في خدمة الوطن ومن اجل ايجاد مجتمع الأستقرار الفعلي القائم على العدل وليس مجتمع الأتباع والرعايا . ان حديث الأصلاحيين عن القضايا المحورية والهامة كالتعليم والصحة والقضاء والتوظيف والتدريب والأعلام وغيرها من أمور هامة في حياة الناس سيكشف سوأة الأستبداد وما يخفيه من ظلم وفساد وسيؤكد أن هذه النظم لاتبالي باذلال الناس وتحويل حقوقهم الشرعية الى هبات تعطيهم اياها او تمنعها عنهم طبقا لرضوخهم لها او تمردهم عليها .

العامل الثالث في تصحيح موازين القوى مع الحكومات يتمثل في كشف الحقائق المتعلقة بسجل هذه الحكومات سوا تعلق ذلك بالتنمية اوبالأمن ليتضح للجميع أن ما يطالب به الأصلاحيون من سياسات هي وحدها قادرة على تصحيح المسار الخاطيء الذي تسلكه الحكومات الحالية والذي لايخدم الا القلة المتنفذة ومعها القوى الخارجية ولكن على حساب غالبية شعوب المنطقة ومعها الأجيال القادمة . وبالتالي فعلى المطالبون بالأصلاحات تفنيد ادعاءات الحكومات واظهار واقع سياساتها وما ستخلفه من فوضى وتخلف وعدم استقرار وقد حاولنا في كتاب حديث لنا ان نقيم اداء هذه الحكومات الخليجية عبر اكثر من ثلاثة عقود واتضح لنا ان هذه الحكومات كانت اكثر التحاما بشعوبها خلال فترة اللؤلؤ أي ما قبل النفط عندما كانت في حاجة لهذه الشعوب ، ولكنها انقلبت على شعوبها ةاعطتها ظهر المجن بعد ان تراكمت لديها الأيرادات النفطية وما واكبها من حماية اجنبية ، فتغيرت علاقتها بهذه الشعوب ، فاصبحت هذه الشعوب مجموعة من الأتباع التي تعيش على العطايا والهبات بدل ان كانت شريكة في صنع القرار وتوجيه الثروة ، وهدفنا هو ان تعود هذه الشعوب الى مكانتها السابقة ، اي ان تكون شريكة مع الحكومات في السراء والضراء لأن مجتمع الأحرار هو وحده القادر على تحقيق الأزدهار والأستقرار [2]. هذه الدراسة وغيرها هي احد الأدوات التي يمكن من خلالها لقوى الأصلاح ان تصحح بها موازين القوى مع هذه الحكومات من خلال كسب شريحة متزايدة من الأغلبية الصامته وكشف ما تقوم بهذه الحكومات من تلاعب بالثروات والقرارات التي ستدفع كلفتها الأجيال القادمة خاصة مع بدايات نضوب النفط .

والعامل الرابع الذي نذكر به اخواننا واخواتنا الأحرار خاصة ذوي الفكروالثقافة بان يكون لهم دور رائد في تغيير مفاهيم ومواقف الأغلبية الصامتة وذلك بترشبد استخدامهم لتقنية المعلومات خاصة التويتر لقضايا مجتمعاتهم بطرح التحديات الفعلية التي تواجه دول المجلس وتثقيف ابناء المنطقة بقضايا الحرية ومآلاتها وكشف ضعف النظم الأستبدادية وبصورة علمية طبعا وبغرس ثقافة الحوار والأختلاف واحترام ألاخر، بدل ان يكون دورهم دور وكالات الأنباء التي تنقل اخبارا متناثرة هنا وهناك لارابط بينها لأن ذلك يقوم به غيرهم ، اي ما نطلبه منهم هو ان يكرسوا الجزء الأكبر من جهدهم لقضايا بلدانهم وان لايحلقوا بعيدا عن المنطقة مهما كانت المبررات لذلك . ونطلب منهم ان يتصرفوا كالقناص الذي لديه رصاصة واحدة يجب ان تصيب هدفها ، ونعني بذلك ان تكون افكارهم قوية وتصل الى المستمع وتقنعه بالحجة والبرهان وان لاينشغلوا بمن يتصرف كقاطع طريق ويحرص على تشويه الحقائق وتمجيد الأستبداد لأن هؤلاء مهتمهم هي طمس الحقائق ومحاربة الحرية والتقدم ، الا ان حجتهم هي اشبه ببيت العنكبوت وقد اخبرنا الحق سبحانه وتعالى بان اوهن البيوت هو بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون .  وخير مثال على ما نقول هو ان هؤلاء الأخوة والأخوات الذين يسعون الى قطع الطريق على الأصلاحات عادة ما يتهمون المصلحين باثارة الفتنة ونحن نعتقد ان هذا قول ساذج في الحقيقة لأن اهم معنى ورد في القرآن لمعنى الفتنة يوضحه قول الحق سبحانه وتعالى : "وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله .." [3]. فأخطر فتنة هي الفتنة في الدين  وهذه حقيقة لأن الذي يفتن الناس في دينهم ويبعدهم عن الرؤية الصحيحة للحياة وما تتضمنها من عقائد وقيم ومعاملات هو في الحقيقة يقودهم الى بقية انواع الفتن سواء تعلقت بالأرواح او الأعراض أو الأموال ، والجميع يعلم ان ما يدعوا اليه الأصلاحيون هو في الحقيقة التمكين لدين الله لأنه رحمة للعالمين ومن خلال دعوتهم هذه هم في الحقيقة يجنبون المجتمع بقية أنواع الفتن التي ذكرناها ، فهل يعقل ان يتهموا بعد ذلك بالفتنة ؟ مالكم كيف تحكمون ؟ 

اما العامل الخامس الذي نذكر به انفسنا وهؤلاء المثقفين الأحرار هو ان يحرصوا على الموضوعية في تناولهم لقضايا الساعة وان لايعيشوا بعقلية التربص لسقطات واخطاء الآخرين وهذا ما شاهدناه في الفترة الأخيرة من قبل بعض الأقلام حيث ان اصحابها قد صمتوا على اخفاقات النظم ألأستبدادية سنوات بل وحقب زمنية وبعضهم لازال ، اما عندما تعلق الأمر بالتيارات الأسلامية في مصر وغيرها فان بعض هؤلاء المثقفين لم يتردد في الغوص الى النوايا واستدعاء خلافات تاريخية لم يعد لها مكان الا كاوراق تستغلها أنظمة ألأستبداد ، في الوقت الذي كان الأجدر بهم ان يعطوا هذه التيارات فرصة اطول خاصة وان هذه التيارات اتت باجماع شعبي ولم ترتكب مخالفات قانونية وانما كانت اغلب اخطائها عبارة عن اخطاء في الحسابات السياسية الناتجة عن قلة الخبرة وليس بسبب الرغبة في التسلط على الغير ، ذلك أن هذه التيارات عزلتها انظمة ألأستبداد حقب زمنية كبقية الشعوب العربية فليس مستغربا ان تحتاج الى فترة تطول او تقصر حتى تحقق وعودها الأنتخابية ، واذا لم تفعل فان الناخب في مصر او في تونس أو في غيرها سيستبدلها بمن هو اقدر منها على تحقيق اهدافه لأن السلطة بعد الثورات لم تعد احتكار على أحد ، وانما هي في طريقها لأن تصبح دولة بين الجميع ....نعم السلطة للجميع هذا ما يجب ان يترسخ في اذهان الأجيال الصاعدة ، باختصار اننا نطاب هؤلاء المثقفين بشيء من العقلانية والعدل حتى لاتظل قوى التغيير منشغلة ببعضها البعض وتجتر خلافات او مقولات تاريخية لم يعد لها ما يبررها بدل ان تكون منشغلة بوضع اللبنات الأساسية لأنتقال دولنا العربية من مرحلة ألأستبداد الى مرحلة المجتمعات المدنية التي تكون فيها السيادة للشعوب . بل والأهم من ذلك هو ان المطلوب من هؤلاء المثقفين ان يحذروا من الثورة المضادة التي عادة ما تحدث في هذه الظروف لأجهاض ما تحقق من انجاز، فأنظمة الأستبداد التي ضربت باطنابها في كل جزء من المجتمع والثقافة المشوهه التي غرستها لايمكن التخلص منها الا بالصبر والحذر والعمل الدؤوب وبتقوية صفوف القوى الأصلاحية بكل اطيافها . ولاينبغي لهؤلاء المثقفين وغيرهم من دعاة ألأصلاح ان ينجرفوا مع تيار النظم ألأستبدادية بالهبوط بمستوى الحوار والنقد الى حظيظ الشتائم والتشهير بل ان الواجب عليهم ان يترفعوا عن ذلك ، فاذا لم تكن لدى النظم الأستبدادية الا البضاعة الكاسدة المتمثلة في الشتائم والتشهير فان لدى احرارهذه المنطقة من حملة الثقافة والفكر والمصلحون قضايا هامة وحجج دامغة عليهم ان يعرضوها على ابناء مجتمعهم حتى يتمكنوا من الوقوف بجانبهم ضد ألأستبداد والفساد وليست هناك شريحة من شرائح الأغلبية الصامتة سواء كانت في القطاع المدني او العسكري او الأمني الا وفيها اعداد كبيرة ممن يدركون ان طاعة ولي الأمر كما اخبرنا رسولنا الكريم مقيدة بعمل المعروف وليس بفعل المعاصي والظلم اكبرها ، وهم كذلك يتوقون الى الحرية والكرامة وحفظ الأموال العامة وحفظ النظام لأنهم يرون ويدركون ما يحدث في بقية المجتمعات ، بل اننا نعتقد ان شريحة لابأس بها من الأسر الحاكمة نفسها في دول المجلس اصبحت تؤيد الأصلاح ، وبالتالي لابد من اشراكهم واشراك بقية شرائح المجتمع وتفعيل دورهم حتى ولو بصورة تدريجية تؤدي في النهاية الى تآكل النظام الأستبدادي وذهابه من غير رجعة . ويجب ان لانطالب هذه الشرائح بالمستحيل وانما بما هو ممكن ، فنحن لانريد من افراد الجيوش الخليجية والأجهزة الأمنية ان تقود انقلابات لاننا لدينا سجل طويل بكوارث هذه الأنقلابات ، ولكننا نتمنى عليها ان تدرك مضمون مطالبنا ونتائجها على مستقبل ابناؤهم وابناؤنا، فهم يدافعون عن مصالح فئة قليلة في هذه المجتمعات ، وهي فئة وللأسف لم تعد تنصت الى الحق او العقل ، بينما نحن نطالب بحماية حقوق كل فئات المجتمع بما فيهم الفئة القليلة الحاكمة ولكن في ظل دولة المؤسسات والمواطنة الواحدة ، الأمر الذي يحتم عليهم ان يضغطوا على القيادات الأستبدادية باحداث الأصلاحات المنشودة ، أو بعدم تأييد هذه القيادات في ممارستها للبطش بشعوبها كحد أدنى ، وهكذا يكون دور بقية مكونات المجتمع كل يمهد لبناء المجتمع المنشود بطريقته وعلى حسب قدرته بدل ان يظل متفرجا او يكون متواطئا والعياذ بالله . وهنا استحضر الموقف الذي يسأل فيه السجان الأمام احمد بن حبل رضي الله عنه  اذا كان بعمله هذا قد اعان الظلمة فيجيبه الأمام احمد بالقول: انت من الظلمة .....نعم هكذا هو الحال كل نفس بما كسبت رهينة . كذلك لابد ان تبين القوى ألأصلاحية لشعوب المنطقة خاصة شعوب الدول الصغيرة والغنية بان المطالبة بالتوحد مع بقية الدول لن تنتج عنها هيمنة الدول الكبيرة على الدول الصغيرة في التكتل لأن هذا التكتل لابد ان يحصل في ظل اصلاحات سياسية تحفظ حقوق شعوب كل دولة في مواجة حكوماتها وتحفظ حقوق كل دولة صغيرة في مواجهة الدول الكبيرة في الأتحاد وهذا ما نراه في الأتحاد الأوروبي مثلا الذي تكسب فيه الدول الصغيرة من الكيان الكبير على صعيدي الأمن والتنمية من غير ان تتعرض لتسلط او هيمنة الدول الكبيرة أو الذوبان فيها .   

والعامل السادس هو ان تقوم رؤية الفئات المطالبة بالأصلاح على الحراك السلمي الذي تسمح به القوانين العالمية وليس مفهوم الخنوع الذي تحاول الحكومات ان تفرضه على شعوبها ، وقد تتغير نبرة هذا الحراك من مكان الى آخر ومن فترة الى أخرى بحسب ما تتطلبه مرحلة المدافعة مع هذه الحكومات ، وقد تكون لهذا الحراك بعض التكاليف احيانا ولكن لاينبغي لهذه التكاليف ان تمنع من ألأستمرار والثبات مع احداث بعض التعديلات في تكتيكات المواجهه مع ألأستبداد ، كما انه لاينبغي ان تستدرج الفئات ألأصلاحية الى ساحة العنف لأنها ساحة تغيب فيها الرؤيا الصحيحة لدى الغالبية الصامته لأهداف ألأصلاح مما يبعدها عن الأصلاحيين ، وتكون عادة الغلبة فيها للنظام المستبد بسبب ما لديه من قوة مادية لاتقارن بقوة ألأصلاحيين ، باختصار المطلوب هو وضع البوصلة في اتجاه المدافعة وتوعية الناس وكشف الأستبداد على حقيقته والتضحية من اجل المطالب المعلنه والواضحة وتحمل أذى ألأستبداد مهما كبر وعدم الأنتقال الى ساحة العنف ومآلاته عملا بقول الحق سبحانه وتعالى وهو يصور المعركة بين قابيل وهابيل  : " لئن بسطت الى يدك لتقلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين " [4]. وفي مواجهة دعايتهم وتشهيرهم وتزويرهم للحقائق يكون الشعارهو قوله تعالى : " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا" [5]. ذلك ان المطلوب من كل هذه المدافعة هو ليس فقط تفكيك واضعاف النظام المستبد وانما كذلك استخدام هذه المدافعة في تكوين ثقافة الحرية وثقافة الحوار وثقافة العدالة وترجمتها جميعا وتدريجيا على ارض الواقع حتى تكون نهاية النظام الأستبدادي هي بداية للنظام الحر البديل وليس الفراغ والفوضى أو استبداد من نوع آخر [6].

والعامل السابع يتجسد في فهم اثر القوى الخارجية في التصحيح المنشود لموازين القوى بين الشعوب الخليجية وحكوماتها ، فعلى الرغم من ما نسمعه ونقرأه من ادبيات حول تضامن القوى الخارجية مع طموحات الشعوب الخليجية الا ان هذه المشاعر اما يكون مصدرها جماعات وافراد صادقون في ما يقولون ولكن تأثيرهم محدود ، واما ان يكون مصدرها من حكومات لها مصالح تقدمها على حقوقنا وهي تقول ما تقول لحفظ ماء الوجه أو نتيجة لتغير موازين القوى بين شعوب المنطقة وحكوماتها ، وهي بالتالي تحاول ان تحفظ ما تبقى من مصالحها . لذلك فاننا نؤكد ان على الأصلاحيين في منطقتنا ان لايعولوا كثيرا على القوى الخارجية لأن هذه القوى لاتريد تصحيح موازين القوى الذي تسعى له قوى الأصلاح لأن في ذلك ضررا بمصالحها ، بل لابد من توقع العكس وهو وقوف بعض القوى الأجنبية مع الحكومات الخليجية لأحباط اي تحول جذري في المنطقة وهذه عبرة موثقة لابد ان ان تكون راسخة في قلوب وعقول احرار المنطقة في كفاحهم لنيل الحرية لهم وللأجيال القادمة حتى لايعولوا على الخارج وهم يختارون استراتيجيتهم ، اضافة الى ان مسألة الأستقواء بالأجنبي قد تشكل نقطة خلاف بين الأصلاحيين انفسهم في فترة متأخرة اذا لم تحسم منذ البداية وستستخدمها الحكومات ضدهم كذلك . الأمر الوحيد الذي له بعد دولي ولااستطيع ان اجيب عليه ألأن على الأقل هو ماذا سيكون موقف ألأصلاحيين اذا تراكمت ادلة كافية على بعض القيادات السياسية في الدولة بسبب الأنتهاكات التي حصلت لحقوق الأنسان منذ بداية الربيع العربي ورأى القضاء الدولي ضرورة متابعتها وادنتها خاصة اذا تأكدت عمليات التعذيب !

اما العامل الثامن فهو أن على ألأصلاحيين في منطقة الخليج والجزيرة ان يؤطروا حراكهم السلمي في دائرة خليجية واسعة تضم اليمن اضافة الى منطقة مجلس التعاون الخليجي ليس فقط للتعامل مع اشكالية الندرة السكانية وانما كذلك من اجل التجسيد التدريجي للوحدة الخليجية على ارض الواقع . فعندما تتواصل مكونات المجتمع المدني في كل دولة خليجية مع هذه المكونات في بقية هذه الدول سواء تم هذا التواصل بين الطلبة أو المثقفين أو الناشطين أورجال الأعمال او غيرهم ، فان هذا المدخل يؤدي في الحقيقية الى الأنتقال الى مجتمع مدني خليجي موحد ومنسجم وقوي ، وبالتالي تكون لديه القدرة على احداث التحول السلمي المنشود في هذه المنطقة ، ولاشك ان فشل تجارب المجتمعات المدنية المنعزلة عن بعضها البعض وعدم رغبة الحكومات الخليجية في تحقيق الوحدة الخليجية عبر اكثر من ثلاثين عاما تحتم على ابناء المنطقة التوجه الى العمل المدني في ظل دائرة اوسع تمتد الى الخليج والجزيرة وحتى الى بقية انحاء العالم العربي . 

واخيرا لابد من التذكير بان من بين أهم الأدوات التي تطيل عمرالأستبداد هي سياسة " فرق تسد " اي اللعب على الخلافات المناطقية والطبقية والقبلية والطائفية، وبالتالي فان على المطالبين بالأصلاح في هذه المنطقة عدم السقوط في فخ هذه السياسة التي جزأ بها الأستعمار الدولة العثمانية ومن ثم الأقليم العربي وحتى دولة الأمارات دخل اليها ألأستعمار البريطاني وهي خمس مشيخات وخرج منها وهي سبع مشيخات ، واهم ما ينبغي تذكره في هذا الصدد ان النهضة المنشودة والأمن في هذه المنطقة لن تحققها قبيلة واحدة ولاامارة واحدة ولاطبقة واحدة ولاحتى طائفة واحدة ، ولكن سيحققها الكيان الخليجي الموحد والحر اضافة الى محيطه العربي واي منطلق آخر لن ينتج عنه الا مزيد من التدهور على الصعيدين الأمني والتنموي ، فهل يبقى بعد ذلك مبرر للخلاف الذي يتغذى عليه الأستبداد ؟ لااعتقد .

 


 

 

[1] جين شارب ، المقاومة اللاعنفية : دراسات في النضال بوسائل اللاعنف ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2011) ، ص.28 .

[2] يوسف خليفة اليوسف ، مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2011) .

[3] القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآية 39.

[4] القرآن الكريم ، سورة المائدة : 28 .

[5] القرآن الكريم ، سورة المزمل : ألاية 10 .

[6] جين شارب ، المقاومة اللاعنفية : دراسات في النضال بوسائل اللاعنف ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2011) ، ص.ص. 54-55 .

 


المشاهدات 2875   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك