هكذا تغرس ثقافة الحرية !
أ. د. يوسف خليفة اليوسف
لم يترك الأستبداد جزء من جسد هذه الأمة الا واحدث فيه خلل ما يتفاوت في درجتة من جزء الى آخر ومن فترة   
هل تعتقد ان الأعتقالات في الأمارات مبررة ؟
لا
نعم
لا أدري


التاريخ بين كذوبَين
تاريخ الاضافة 
 

                                     التاريخ بين كذوبَين

أول أكذوبةٍ اقتُرفت في التاريخ، هي الكِذبة التي لفّقها إبليس على آدم عليه السلام، فجاء انزلاق البشرية إلى أرضية الصراع بين الحق والباطل ثمرةً شوكيةً شديدة المرارة والإيلام لهذه الكذبة الماكرة، وهناك أمضت البشرية أزمنتها وهي حافلةٌ بالأزمات والمآزق والمعضلات وبالصراعات وبالشرور، وبالكثير من المساحات المظلمة والمأساوية، وبالقليل من المساحات المضيئة ومن الإنجازات ومن الإنسانية؛ في مفاهيم الدبلوماسية الحديثة، فإن "نعم" تعني ربما، وربما تعني لا، كما أن "لا" تعني ربما، وربما تعني نعم، وهذه الأحجية المركبة تركيبًا منطقيًّا شيطانيًّا هي الكذب بشحمه ولحمه، هذا إن كان للكذب شحمٌ ولحمٌ.

وهكذا يكون الكذب عمليةً تخريبيةً أو هدميةً يُستخدم فيها مؤثرٌ أو أكثر من المدخلات الحسية أو العقلية أو الفكرية أو العاطفية أو الغريزية بلا دليلٍ ماديٍّ أو علميٍّ حقيقيٍّ، أو بدليلٍ مزورٍ أو ملفقٍ بشكلٍ تمويهيٍّ أو خداعيٍّ أو انفعاليٍّ، بحيث يوصل المتلقي الأمي أو المغفل أو الساذج أو الأحمق أو الجاهل الذي لا يمتلك قاعدةً معرفيةً أو ثقافيةً كافيةً متعلقةً بموضوع الكذبة ومجالها، باعتبار الجهل مسألةً نسبيةً، مما يؤدي بالتبعية إلى تحويل انتباهه عن الحق أو عن الصواب وجعْلِه وهو تحت تأثير الكذب أو الخداع منساقًا إلى تكوين انطباعٍ أو رأيٍ أو شعورٍ أو اتخاذ موقفٍ يقع بسببه في الخسارة أو ارتكاب الخطأ أو اقتراف الظلم أو الإضرار بالغير؛ وبهذه التركيبة الخداعية، يكون الكذب أسلوبًا يستخدمه الجبناء والضعفاء والخبثاء، لأن الشجعان والأقوياء والنبلاء يستشعرون من القوة ومن الاعتداد بالنفس ومن المروءة ما يجعلهم يواجهون الحقيقة ويتقبلون النتائج ويقدمون التضحيات مهما كانت في غير صالحهم؛ وبذلك أيضًا يكون الكذب أسلوبًا يستخدمه الغادرون والسفَلة، لأن الشرفاء لديهم الكثير من المبادئ ومن القيم ومن مراقبة الذات ما يجعلهم يترفعون عن مغريات الدنيا وعن استخدام هذا الأسلوب الدنيء والحقير في مواجهة الآخرين مهما كان الخلاف بينهم، والكذب أيضًا أسلوبٌ يستخدمه المحتالون والنصّابون والمخادعون، لأن الأمناء والأتقياء لديهم من الإيمان والورع والطمأنينة والرضى والثقة ومن الاستعداد لتحمل المسؤولية ومن الحصانة الأخلاقية ومن الأساليب والطرائق الصادقة والنزيهة والأمينة والشفافة ما يجعلهم غير محتاجين إلى استخدام هذا الأسلوب الالتوائي أو التخريبي القذر، كما يبقى الكذب أسلوبًا يستخدمه الدجالون والسحرة والمشعوذون والعرافون والمنجمون، لأن الأنبياء والصدِّيقين والعلماء لديهم من نور اليقين ومن قوة الإرادة ومن سبل الخير ومن طهارة النفس، ما يغنيهم عن سوداوية الشكوك وعن تفاهة التردد وعن أحابيل الشر وعن تعفُّن الضمير.

1. أزمنة الأكاذيب

بقي الكذب عصورًا سلعةً رخيصةً قليلة التداول، ونقيصةً أخلاقيةً يترفع عنها حتى عوام الناس، حتى أن تاريخًا زاخرًا بالأحداث كقصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، وعلى مدى نحوٍ من أربعين سنةً لم تقع فيه إلا خمس كذباتٍ؛ أما العصر الحديث فإنه يستحق بكل المقاييس تسميته بعصر الأكاذيب، لأن الكذب فيه أصبح سلعةً رائجةً يجري تداولها وتسويقها في كل مناحي الحياة، ولم يعد الكذب أسلوبًا مقصورًا على أراذل الأفراد، بل أصبح كذبًا مؤسسيًّا وتخصصًا مهنيًّا تتعاطاه الدول والأنظمة السياسية والمنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية والشركات العملاقة؛ وهكذا ظهرت للكذب أشكالٌ وأنماطٌ مختلفةٌ، فهناك على سبيل المثال وليس الحصر:

الكذب السياسي: الدول الأوروبية متفاعلةٌ حاليًّا مع الثورة السورية، كما تفاعلت من قبل مع الثورات التونسية والمصرية والليبية واليمنية، وتتباكى على الأرواح التي تُحصد أو تُزهق في صراع الثورة التي لا يُعرف مَن هو المستفيد الأكبر منها، والأمر في الحقيقة مشحونٌ بالكذب، لأن ما وراء هذه الدموع التماسيحية ليس إنقاذ الشعب السوري من براثن نظامٍ استبداديٍّ، بل الهدف تدويل القضية وامتطائها للوصول إلى المصالح الاستراتيجية، وإثبات الوجود لمرحلة اقتسام كعكة صناعة المستقبل السوري، ومستقبل المنطقة بإبقائها تحت الإدارة الاستعمارية الغربية لحقبةٍ تاريخيةٍ قادمةٍ؛ والمواقف الأمريكية المعارضة لمشروعات بناء المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، ثم صممها عما يجري على أرض الواقع من إلقاءٍ لمواقفها البهلوانية في صندوق القمامة الإسرائيلية، هي نموذجٌ للكذب السياسي؛ وكذلك فإن استفتاءات الانفصال السياسي وحرية تقرير المصير هي من الكذب والاحتيال المدجج بالتزوير لتسلب به المنظمات الدولية من الأكثريات حقها الشرعي والتاريخي وإعطائه للأقليات الدخيلة.

الكذب الاستراتيجي: الدعاية المضادة التي تُستخدم أثناء الحروب والأزمات السياسية، كالدعايات التي تبادلها المعسكران الغربي والشرقي أيام الحرب الباردة كانت كذبًا استرايجيًّا؛ ولعل أكذوبة مخطط تنظيم القاعدة لتدمير الحضارة الغربية، وأكذوبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، هي من الأكذوبات الاستراتيجية التي لا يجرؤ ضمير التاريخ على القفز عنها، لأنها كانت جواز سفرٍ مزورٍ لأكبر عملية اغتصابٍ عسكريٍّ لدولتين مسالمتين، وأكبر عملية إبادةٍ لشعبين شبه أعزلين، وأكبر عملية كذبٍ لسرقة تاريخٍ وسرقة ثروةٍ وسرقة مجتمعات بأسرها، وكل ذلك تحت سمع المجتمع الدولي وبصره، وبغطاءٍ جائرٍ من الشرعية الدولية المشلولة؛ أما المزاعم التي تدور حول التهديد النووي الإيراني، فهي بحقٍّ مثالٌ على ما يسمى بالضحك الاستراتيجي على الذقون المغفلة لتمرير الأجندات الخفية، والمخططات الرامية إلى توسيع نطاقات النفوذ، وتنشيف خزائن دول المنطقة ومدخراتها في سباقات التسلح.

الكذب الإيديولوجي: الديموقراطية- حتى في مجتمعاتها- غطاءٌ إيديولوجيٌّ كاذبٌ، في ظاهره حكم الشعب بالشعب، وفي جوهره حكم الشعب بالنخبة المتنفذة التي تحكم بالديكتاتورية أكثر مما تحكم بالديموقراطية؛ والرأسمالية شعارٌ براقٌ أو كذبٌ إيديولوجيٌّ آخر، يُخدع به الفقراء ليزداد الأثرياء ثراءً ويزداد الفقراء فقرًا وفاقةً؛ أما الاشتراكية فهي مزيجٌ من رأسمالية الطبقة الحاكمة المتخمة واشتراكية البروليتاريا المسحوقة الجائعة؛ ولعل الإيديولوجيا المعاصرة القائمة على أكذوبة التهديد الإسلامي للحضارة الغربية والرغبة المسعورة في تجفيف منابعه، هو صنفٌ مغشوشٌ من الكذب الذي يميط اللثام عن إيديولوجية الغرب المسيحي المتسامح مع كل الأديان إلا الإسلام الذي يعاديه تشريعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا ونفسيًّا، أما حكاية التهديد فذريعةٌ يدخل بها الغرب ليغتصب بلاد المسلمين في وضح النهار بلا حروبٍ، بل بقواعد عسكريةٍ واتفاقياتٍ تجاريةٍ وتدخلاتٍ تعليميةٍ وثقافيةٍ وفرماناتٍ وتحالفاتٍ ممهورة بأختام المسلمين أنفسهم.

الكذب الحضاري: عالم اليوم المغرور والمفرّغ روحيًّا ضحيةٌ لوهمٍ كبيرٍ، هي كذبة التفوق الحضاري والتحرر من كل القيود الدينية والقيمية، ومع أنه اخترع الآلة وروّض الطاقة لتسخيرهما في تسهيل وسائل العيش والإنتاج، إلا أن إفراطه في تطويعهما جعله محكومًا بشروط وظروف إنتاجهما واستخدامهما، وفي اليوم الذي ستضمحل أو تختفي فيه الطاقة، فإنه سيفيق على حياةٍ شبه ميتةٍ، بلا وسائط نقلٍ وبلا اتصالاتٍ وبلا حواسيب وبلا أدواتٍ منزليةٍ بلا أسلحةٍ ليزريةٍ وسيغرق ليلاً في ظلامٍ دامسٍ، وسيضطر هذا العالم عندها إلى العودة إلى الوراء ربما بضع مئاتٍ من السنين ليبحث عن حضارةٍ مختلفةٍ.

الكذب الديني: هو مرتع الدجالين وشيوخ الطريقة وأصحاب الفرق الضالة، وهو لعبة الكهنة ورجال الدين الذي يتلاعبون بمشاعر مريديهم وأتباع طريقتهم أو فرقتهم؛ ومن هذا الكذب تحريف الكتب السماوية، وادعاء رؤية الأنبياء والصالحين وتلقي النصائح والوصايا منهم، وادعاء المعجزات والكرامات والنبوءات والأكاذيب بعد صبغها بالصبغة الدينية لتسويغ أخذ النذور والأعطيات والقرابين من الأتباع، أو في سبيل إضفاء القدسية والتفويض الإلهي على عروش الحكم واحتكارها وتوارثها؛ والبدعة في الدين هي نوعٌ من الكذب، لأنها زيادةٌ في العبادات والتكاليف الدينية منسوبةٌ كذبًا إلى الله؛ وكذلك فإن الموروثات والأساطير والخرافات الدينية ليست إلا خيالاً من اختلاق البشر الذين ليسوا مؤهلين ولا مخولين بوضع أصول الدين وتكاليفه؛ والمؤسسات الدينية كلها كاذبةٌ، لأنها بلا سندٍ يمنحها اختصاصاتها ونفوذها على أتباع أي دين، ووجودها مرتبطٌ أصلاً بالأساطير وابتكارات رجال الدين والكهنة أكثر من ارتباطه حتى بالآلهة التي يدّعونها.

الكذب الفكري والاجتماعي: المذاهب والمدارس والتيارات الفكرية جميعها تقوم على النظريات والفرضيات والآراء، وتلك النظريات والآراء تظل- حتى من وجهة النظر العلمية البحتة- أكاذيب إلى أن ينقلها الدليل من حالة النظرية إلى حالة الحقيقة؛ وهكذا هي الشيوعية والمادية والعلمانية والوجودية والحداثة والليبرالية؛ ولعل مقولة الماركسية: "الدين أفيون الشعوب" هي من أكذب المقولات، لأن أفيون "الدين" الماركسي أثبت أنه من أسوأ أصناف الأفيون بما في ذلك أفيون البدع والخرافات الدينية التي كانت الماركسية تتبناها وتحتضنها؛ أما حقوق المرأة فهي من الأكاذيب المزخرفة بالتطور الحضاري، بينما باطنها البشع يستأصل أنوثة المرأة، ويتاجر بجسدها، ويدمر المؤسسة الأسرية، ليتولى التلفاز والسينما ووسائل التواصل الاجتماعي تكوين أجيالٍ عولميةٍ ليس لها انتماءٌ يربطها بأوطانها وأديانها وثقافاتها.

الكذب التاريخي: التاريخ المكتوب إما كذبٌ منمقٌ وإما حقيقةٌ مطموسةٌ أو مبتورةٌ، وما تبقى فهو القليل جدًا من الحقائق؛ فقائدٌ عسكريٌّ فذٌّ مثل طارق بن زياد لم يكن ليرتكب خطأً عسكريًّا جسيمًا ويحرق سفنه، كما تحاول كتب التاريخ أن تضفي هالةً من الأسطوريات الساذجة على فتح الأندلس؛ كما أن هتلر لم يحرق اليهود كما تزعم الهولوكوست؛ وكذلك فإن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لم يكن له دورٌ يذكر في ثورة 23 يوليو، لأنه في ساعة الصفر كان يقضي وقته في السينما، ومع ذلك فإنه لم يكن يخجل في مناسبة الاحتفال بالثورة من تزوير التاريخ والظهور على شاشة التلفاز ليدعي أنه كان صانعًا للثورة، وربما محركها الأول.

الكذب الاقتصادي والمالي: البيانات والمؤشرات الاقتصادية المتعلقة بمعدلات النمو والتضخم وحجم البطالة، بعضٌ من الأدوات الكذبية التي تستخدمها الدول من أجل استقرار قيمة عملتها أو لتأييد قدراتها الائتمانية؛ لقد أثبتت أزمة الرهون الأمريكية ثم أزمة الديون اللتين جرجرتا الاقتصاد العالمي إلى كسادٍ مريرٍ، أن المزاعم التي كانت تمجد الاقتصاد الأمريكي باعتباره الاقتصاد القائد للاقتصاد العالمي هي مجرد احتيالٍ تسويقيٍّ لاجتذاب الأموال المختبئة في أوطانها؛ أما وكالات التصنيف الائتماني التي دخلت نادي الكذب مؤخرًا، فقد أصبحت تستغل ثقة الاقتصاد العالمي وتُلوّح بتصنيفاتها لتبتز المؤسسات والدول المنهكة ماليًّا وتقبض منها ثمن كذبها بالسكوت عن إعطاء التصنيفات الائتمانية المتدهورة.

الكذب التجاري: إخفاء عيوب السلعة، وإعطاء معلوماتٍ كاذبةٍ لترويج السلع والخدمات لإقناع المشتري بالسعر أو بشروط عقد البيع هو كذبٌ تجاريٌّ؛ وهكذا يعتبر الغش والاحتيال والنصب والتزوير والتزييف وتقليد المنتجات الصناعية أو تقليد العلامات التجارية أنواعًا وأساليب من الكذب التجاري؛ أما الإعلانات التجارية وبكل أشكالها فتعتبر شحناتٍ مكثفةً من الصور والبيانات والمعلومات الكاذبة والمغلوطة والحيل الفنية واللغوية؛ وتحت الكذب التجاري يندرج إعطاء المعلومات المالية الملفقة أو المبالَغ فيها عن أداء الشركة أو عن وضعها المالي أو عن حجم أصولها من قبل مكاتب المراجعة المالية وتدقيق الحسابات، ولعل واقعة شركة إنرون الأمريكية ومدققة حساباتها الكاذبة آرثر أندرسون واحدةٌ من أشهر الكذبات التجارية.

الكذب الصناعي والتقني: أساليب التمويه والطلاء بماء الذهب والفضة وتقليد الأحجار والمعادن الثمينة هو من الكذب الذي يعتمد على تنميق السلعة وإظهارها في صورةٍ ثمينةٍ تخالف حقيقتها الرخيصة؛ وقد كانت نهاية الألفية السابقة مسرحًا لكذبةٍ هائلةٍ سميت حينها بكارثة الرقم ألفين، لأن مبرمجي الحواسيب لم ينتبهوا إلى هذه الهفوة الصغيرة التي كلفت مستخدمي تقنية المعلومات ولا سيما الأميين منهم مليارات الدولارات ثمنًا للتصدي للكارثة التي تبين فيما بعد أنها مجرد مشكلةٍ صغيرةٍ؛ وعندما بدأت ظاهرة الفيروسات الكومبيوترية المدمرة للبُنى التحتية التقنية وقواعد المعلومات في الظهور، كانت كذبة القرصنة الحاسوبية ترافقها، وهي حيلةٌ إما لابتزاز المستخدمين وإما لتعطيل برامجهم التطويرية؛ أما الحكومة الإلكترونية فقد أتت كأسلوبٍ براقٍ هدفه الأساسي سرقة المعلومات الحيوية من الدول ومن المؤسسات؛ وأما الألعاب الالكترونية فكانت فخًّا لاصطياد الأجيال الجديدة لممارسة حياةٍ افتراضيةٍ كاذبةٍ وشريرةٍ تغتال طفولة تلك الأجيال وانتمائها.

الكذب الصحي والطبي: طب الخوارق الذي يعالج بغير أدويةٍ أو بدون عملياتٍ جراحيةٍ أغلبه كذبٌ؛ أما حديثًا، فقد أصبح الكذب الصحي ألعوبة السياسة، فالأمراض والأوبئة كالجمرة الخبيثة وأنفلونزا الخنازير وجنون البقر وهلوسة الحمير تظهر وتُهوَّل إعلاميًّا وتختفي بحسب مزاج السياسة العالمية، من أجل أن تباع الأدوية والأجهزة الكاشفة عن المرض بمليارات الدولارات، وبذلك تدور آلة الصناعة الغربية على حساب عرق المغفلين ومدخرات أجيالهم؛ أما الأطعمة المعلبة والوجبات السريعة المسرطنة فهي كذبٌ تتمكن به الشركات الصناعية العملاقة ليس من سرقة أموال الناس، بل من سرقة عافيتهم وحيويتهم وصحتهم وسلامة أبدانهم وعقولهم؛ لقد كانت الأصباغ ومساحيق التجميل خداعًا صغيرًا، إلى أن ظهرت عمليات التجميل كخداعٍ فاحشٍ ليغير أشكال البشر، ومع ذلك فإنه ليس تغييرًا جميلاً بالضرورة، فالأصل يبقى هو الأجمل، لأنه هبة الله، وبذلك يبقى أحسن وأفضل من ذلك الخداع المتحول بقليلٍ من الزمن إلى مشكلةٍ صحيةٍ.

الكذب العلمي والمعرفي والبيئي: ما تزال كل النظريات العلمية التي تفسر تكوّن السحب وسقوط الأمطار والبَرَد مجرد نظريات أقرب إلى الكذب منها إلى الصدق؛ وما زالت نظرية النشوء والارتقاء الداروينية التي تمثل العمود الفقري لتفسير تطور الكائنات مجرد هزلٍ علميٍّ وكذبةٍ مضحكةٍ، لا تجد ما يؤيدها حتى بالمنطق العلمي وبالمكتشفات الأحفورية، لأن الإنسان وُجد إنسانًا ولم يكن قردًا ذات يوم، كما أن القرد وُجد قردًا ولن يتحول إلى إنسانٍ إلى قيام الساعة مهما كذبت ناشيونال جيوغرافيك وأقسام علوم الأحياء؛ أما الأقمار الصناعية التي تراقب الفضاء عن كثب، وكذلك بعثات استكشاف الحياة البرية فهي كلها خدعةٌ كاذبةٌ تستهدف التجسس على الدول والمجتمعات ودراسة أمراضها الاجتماعية، واكتشاف ثرواتها ومواردها الطبيعية للعمل على سرقتها وتدمير بيئتها بعد توريطها في توتراتٍ ونزاعاتٍ سياسيةٍ داخليةٍ.

الكذب الأدبي والفني: قديمًا قالوا: "أعذب الشِّعر أكذبه"، أما اليوم، فكلما كان العمل الفني والأدبي أكثر إغراقًا في الخيال ومجافاةً للواقع، كلما كان أكثر إبداعًا، ولكن هذا الإبداع يجعل الشاعر في الحقيقة كذابًا والروائي كذابًا والكاتب كذابًا والممثل كذابًا والرسام كذابًا، ويجعل القصيدة أحاسيس كاذبةٍ، والرواية والقصة خيالاً كاذبًا، والمقال أو الكتاب تخريفًا وطروحاتٍ ومزاعم ملفقةً، والعمل السينمائي خيالاتٍ مريضةً وأفكارًا كاذبةً مقدَّمةً في قالبٍ من الحيل والخدع السينمائية، ويجعل العمل التلفزيوني والمسرحي شخوصًا وأحداثًا من نسج الخيال؛ المشكلة أن هذه الأكاذيب مطلوبٌ منها أن تؤثر في الناس، وأن تعيد برمجة قناعاتهم ومبادئهم لكي يتحول الكذب إلى أسلوب حياةٍ حقيقةٍ، ولو كانت مؤلمةً ومليئةً بالمآسي والأزمات.

الكذب الرياضي: دييغو مارادونا هو أشهر كذابٍ رياضيٍّ، لأنه سرق هدفًا غير مستحقٍّ أوصل منتخب بلاده إلى نهائيات كأس العالم ليفوز بها، ثم ألحق تلك السرقة بإنكارها كذبًا قبل أن يعترف بالاثنتين بعد عقدين من الزمن، أي بعدما اختلط الماء باللبن؛ وعلى خُطى هذا الكذاب الأشِر، يمارس ملايين الرياضيين اليوم الكذب بتصنع الإصابة وخداع قضاة الملاعب للحصول على ضربة جزاءٍ أو ركلةٍ مباشرةٍ أو حتى رمية تماسٍ؛ ولكن الكذب والخداع الرياضي يصل إلى قمّته بإلهائه الشعوب عن مشاكلها وقضاياها الكبرى، أو بسرقة أموالهم بالمراهنات والمقامرة، أو بسرقة صحتهم وعافيتهم، فبينما يتقافز عددٌ محدودٌ من اللاعبين في الملاعب والصالات الرياضية، تتدلى كروش ملايين الجماهير وتتهدل أثداؤهم وهم قابعون بالساعات الطويلة في المقاعد أو أمام الشاشات ينفعلون وتتوتر أعصابهم كالبُلَهاء بلا حركةٍ تريُّضيةٍ وبلا نشاطٍ بدنيٍّ أو ذهنيٍّ إنتاجيٍّ.

الكذب الإعلامي: لعله لا يوجد اليوم ما هو أكذب بل وأشد تعمدًا لصناعة الكذب وتهويل القضايا والأحداث التافهة لتصبح ضخمةً ومثيرةً للانتباه من أجهزة الإعلام ووسائله المختلفة؛ فالتغطيات الإعلامية للأحداث تقوم على تركيز البؤرة على جزءٍ صغيرٍ جدًّا من الحقيقة، أما الحقيقة كاملةً فتظل مجهولةً لأن الإفصاح عنها لا يخدم الأجندة الإعلامية، أو يتعارض مع الخط الفكري للجهاز الإعلامي؛ فقُبيل دخول القوات الأمريكية في الصومال في الثمانينيات كانت جميع الصور والأفلام المبثوثة تُظهر الصوماليين في الصحراء شديدي النحافة، والذباب يغطي أفواههم وأنوفهم، أو يرقدون شبه موتى تحت الأشجار المتيبّسة، وفجأةً، وخلال ساعاتٍ من دخول القوات الأمريكية ظهر الصوماليون وهم أنيقون وفي كامل عافيتهم، ويتمشون مبتسمين في مدينةٍ تبدو مناسبةً للحياة البشرية رغم آثار التخلف التي لم تتمكن وسائل الإعلام من إخفائها أو تحسين صورتها؛ لقد أدمن الإعلام تعاطي كذب التمجيد، وعندما سقطت أقنعة الشخوص تبين أن الزعماء السياسيين لم يكونوا صُناعًا للتاريخ ولا ثائرين ولا وطنيين بل طغاةً ومستبدين وعملاء وخَوَنةً، وأن رجال الأعمال لم يكونوا مبدعين ولا ناجحين بل مفسدين ومرتشين ومجرمين ولصوصًا، وأن الفنانين والأدباء لم يكونوا نجومًا وأبطالاً وعباقرةً بل مدمنين وشواذ ومرضى نفسيًّا؛ وبهذا الكذب الاحترافي أثبت الإعلام أنه ليس مرآةً للشعوب، بل بوقًا لأغنيات الأنظمة السياسية الركيكة.

الكذب الإداري: الواسطة والمحسوبية والمحاباة هي من الكذب الإداري، وكذلك هي تزكية الرؤساء والمدراء التنفيذيين للأشخاص غير الكفؤين أو غير المؤهلين لا مهنيًّا ولا علميًّا ولا أخلاقيًّا للحصول على ما لا يستحقون كالتعيين والترقية والمكافأة؛ ومن هذا الكذب الإجحاف أو المبالغة في تقييم أداء الموظفين؛ أما التقارير والمؤشرات الدورية فمما تمتلئ بالكذب الذي ينتزع مرضاة الرؤساء الذين لا يجيدون قراءة النتائج والإنجازات والتحقق من صحتها ومصداقيتها وجدواها.

الكذب النفسي والخُلقي: الغرور كذبٌ على النفس بتصور ما هو غير موجودٍ فيها أو ما يستحيل إيجاده فيها؛ والأنانية والحسد والجشع والطمع كذبٌ على النفس بأنها أحق من غيرها بشيءٍ غيرها أحق منها به؛ والنفاق والتملق والرياء كذبٌ لإظهار قناعةٍ وإخفاء ما هو متضادٌّ ومتصادمٌ ومتناقضٌ ومتعادٍ معها؛ والتكبر والغطرسة كذبٌ على النفس بأنها أفضل من غيرها أو أن غيرها أدنى منها، ولهذا تميل إلى اقتناء السلع والملبوسات والمركوبات الثمينة لتضخيم هذا الإحساس بالفارق الوهمي في الحقيقة، وهذا أيضًا من الكذب على النفس، لأن تلك المقتنيات تعجز عن إيجاد تأثيرٍ حقيقيٍّ لها إلا في النفسيات الضعيفة والساذجة والمادية.

 

2. المخطط الأكذوبي

إبليس هو واضع أسس الكذب والخداع والدجل، وكل كِذبةٍ كُذبت أو ستُكذب إلى نهاية التاريخ ستكون على منوال كذبته الأولى، وفنون الكذب المعاصر وأساليبه وتقنياته المبتكرة  ستظل في مضمونها بنفس القواعد والأسس الكذبية الإبليسية التقليدية؛ فشخصية الكاذب ترتبط ببنائه النفسي والعقلي والخُلقي الذي يجعل الكذب- بالنسبة له- وسيلةً وحيدةً وناجحةً لتمرير كل خططه ومشروعاته الحياتية، أو حلاً وحيدًا وسهلاً لتجاوز كل العقبات والعوائق التي تواجهه، والكاذب في حقيقته جبانٌ يُواري ضعفه خلف ذكاءٍ شيطانيٍّ وخيالٍ واسعٍ، وقدرةٍ فائقةٍ على دراسة ضحيته وإيقاعها في شباك كذبه؛ أما الدوافع أو الأهداف الكذبية، فهي بطبيعتها دوافع غير أخلاقيةٍ أو أهدافٌ غير مشروعةٍ أو نتائج غير مستحقةٍ يحاول الكاذب الوصول إليها بهذا الأسلوب الميكيافيللي الملتوي؛ وأما الخطة أو العملية الكذبية، فهي تكتيكٌ مبرمجٌ زمنيًّا أو موقَّتٌ توقيتًا دهائيًّا لزيادة فرص النجاح أمام العملية الكذبية، وتتضمن الأسلوب التنفيذي للكذبة وظروفها وترتيباتها؛ ويعتبر الأسلوب اليهودي الذي يعتمد على طريقة: "إكذب ثم اكذب ثم اكذب، فلا بد في النهاية أن يصدقك أحدٌ"، هو أحد تلك الأساليب الشائعة؛ كما يتضمن المخطط الكذبة أو الخدعة أو محور الأكذوبة، متمثلاً في القول أو في الواقعة أو في المنتج الذي يتضمن توليد التأثير الكذبي الأكثر فعاليةً وإيصاله إلى المتلقي المستهدف بطريقة تناسب مستواه العقلي والعلمي والنفسي؛ وهذه المؤثرات أو الوسائط المستخدمة في إطلاق الكذبة، كثيرةٌ جدًّا وترتبط دائمًا بنوع الكذبة والبيئة المحيطة والظروف والأحداث المواتية؛ كما يتضمن شخصية المتلقي أو المكذوب عليه، وهي صاحبة الدور الحاسم في تسهيل فرص نجاح الكذبة أو إفشالها، كما أن لها دورها في استمرار الكاذب في الكذب أو تغيير نشاطه الكذبي أو إيقافه وانكشاف حقيقته؛ وأخيرًا تأتي نتائج الكذبة، وهي نتائج مزدوجة تمثل للكاذب نجاحًا أو مكسبًا يوصله إلى أهدافه، وتمثل للمستهدف أو للمتلقي فشلاً أو خسارةً أو خطأً أو مأزقًا.

في الأكذوبة التي مررها إبليس على آدم عليه السلام، توجد جميع العناصر والأساليب والدوافع التي تمثل تفاصيل المخطط العام للكذب، فقد قام بتحديد هدفه التخريبي الاستراتيجي من الكذبة، فكان هدفه الأول تخريبيًّا قصير الأجل وهو إخراج آدم من الجنة، أما هدفه الآخر فكان تخريبيًّا بعيد الأجل ومترتبٌ على ذلك الخروج، وهو تمكينه من غواية ذرية آدم إلى يوم القيامة، وتعميَتهم وإضلالهم عن منهج الله القائم على استثمار الوجود الدنيوي وعمارة الأرض بالعدل والحق والسلام للخلود في الجنة، باستدعائهم إلى مناهج الطواغيت القائمة على انتهاز الوجود الدنيوي بالجور والظلم والتناحر، وتناسي النهاية البائسة بالخلود في الجحيم؛ ثم حدد إبليس الإطار الزمني للكذبة وجعله مفتوحًا إلى أبعد مدىً ممكنٍ، وهو يوم البعث؛ ثم مارس أكثر من أسلوبٍ كذبيٍّ، فتارةً كان يستخدم الغواية أو التغرير الذي يعتمد على المقدمات المنطقية المعقولة التي ينتج عنها مضمونٌ يتفق مع تلك المقدمات، ولكنه مضمونٌ فاسدٌ أو غير حقيقيٍّ أو غير ممكن الحدوث، وتارةً كان يستخدم الجرعات الكذبية المكثفة لضعضعة القناعات السابقة للضحية، وتارةً كان يتصنّع الجدية والثقة في صحة المعلومة بالقَسَم، وتارة كان يستخدم الإثارة بالتلويح بالإغراءات المادية والنتائج السريعة، وكلها أساليب تؤدي إلى انهيار الضحية واستسلامها أخيرًا بتصديق الكذبة؛ وكما استغل إبليس في هذه الخطة نقاط قوته المتمثلة في إمكاناته وقدراته الخداعية، بحكم تكوينه الشروري وانفتاح مجال المناورة الكذبية وحجم قاعدته المعلوماتية، فقد استغل في الوقت نفسه نقاط الضعف عند آدم عليه السلام وأهمها نقص خبرته ودرايته بتلك الإمكانات والألاعيب؛ ولكن آدم عليه السلام لم يستثمر إمكاناته وأسلحته الوقائية التي تمكّنه من إحباط المخطط الإبليسي، فهو: أولا: لم يستخدم ذاكرته، ولو استخدمها لوجد أن إبليس هو الوحيد الذي رفض السجود له، رغم الأمر الإلهي الذي لم يستثن أحدًا من السجود، وهذا موقفٌ صريحٌ لعدائيته تجاهه؛ وثانيًا: لم يستثمر آدم عليه السلام التحذير الإلهي بأن إبليس عدوٌّ له ولزوجه، وأنه سيكيد لهما ليخرجهما من الجنة ليَشقَيان، وأنهما مأموران بإفشال هذا المخطط التخريبي؛ وثالثا: لم يستغل آدم عليه السلام قدراته التفكيرية وذكاءه العقلي، وإلا لما وثق في معلومةٍ غير مؤكدةٍ وغير مؤيدةٍ بالدليل، وغير متفقةٍ مع المنطق العقلي؛ ورابعا: لم يتمسك آدم عليه السلام بقيمه الإيمانية وببنائه الأخلاقي في إدارة الصراع بينه وبين إبليس، ولو فعل ذلك لوجد نفسه في غير حاجةٍ إلى النتائج التي أوهمه إبليس بأن أكل الشجرة سيؤدي إليها من الخلود أو من التحول من كائنٍ بشريٍّ إلى كائنٍ ملائكيٍّ أو بالحصول على المُلك الدائم، ولو عاد آدم عليه السلام إلى مرجعياته العقيدية واستخدمها مقياسًا للمقدمات الكذبيةلأمكنه اكتشاف الكذبة وإبطالها؛ ولكن المخطط الكذبي الإبليسي نجح، وانطلت الكذبة التي لم يتمكن آدم عليه السلام من اكتشاف نتائجها الفادحة، إلا بعدما بدأ يدفع ثمن تبعاتها المؤلمة.

 

 

3. كذبٌ كثير الألوان

الكذب العادي يعرَّف بأنه ضد الصدق، أو خلاف الحقيقة، ولكن الكذب المعاصر تجاوز هذا المفهوم المسطح، بل تجاوز المفاهيم التقليدية للكذب الأسود والأبيض، وتصنيفه بشكلٍ علميٍّ يتجاوز هذا النطاق البسيط إلى تصنيفاتٍ وتقسيماتٍ أكثر تعقيدًا بحسب طبيعة الكذب وشخصية الكاذب وأغراض الكذب وطبيعة تأثيراته، فهناك مثلاً: الكذب البسيط، الذي يقع بغير قصدٍ أو الذي لا يتعدى الضرر الحادث بسببه فردًا أو أكثر، ويقابله الكذب المعقد والمركّب بطريقة القنابل العنقودية بحيث تتوالد منه التخريبات، وتتجاوز الأفراد إلى المجتمعات والمؤسسات، بل وتمتد تخريباته المتوالية من الزمن الحاضر إلى المستقبل؛ وهناك أيضا الكذب العفوي الذي يُختلق للتخلص من الموقف المحرج، ويقابله الأكذوبة أو الكذب المخطط أو المبرمج الذي يقع بقصدٍ وتفكيرٍ وتدبيرٍ ودهاءٍ؛ والكذب المنقول يُعفي قائله من تهمة الافتراء والتقوُّل، أما الكذب المفترى أو المتخرص فإنه مؤلفٌ من وحي خيال الكاذب الوضيع أخلاقيًّا ونفسيًّا؛ والكذب المحرف هو كذبٌ ممزوجٌ بشيءٍ من الحقيقة للإمعان في الخداع، أما الكذب الملفق فإنه كذبٌ كامل الدسم أو كامل الصناعة، ولكنه يحمل بعضًا من ملامح الحقيقة ونكهتها، وإن كان يصادمها ويعارضها؛ والكذب يكون مباشرًا عندما ينسبه قائله إلى نفسه، أما الكذب غير المباشر فإن قائله ينسبه إلى غيره، وهناك من الكذابين جُرءاء لا يتورعون عن نسبة الكذب إلى الله سبحانه وأحيانًا إلى الأنبياء وأحيانًا إلى العلماء والصالحين وهكذا نزولاً؛ لقد كان الكاتب الفرنسي تيري ميسان موفقًا غاية التوفيق في إطلاق اسم "الكذبة الكبرى" أو "الخديعة الكبرى" على كتابه الذي تعرّض فيه لأبرز الأمثلة على الكذبة النموذجية أو الكاملة التي تنطبق عليها أوصاف أسوأ أنواع الكذب من المعقد والمخطط والمفترى والملفق وغير المباشر، كما يقول المثل الإماراتي: "الكذبة التي لا تسوّد وجه صاحبها، لا تُسمى كذبة"، حتى إنه يصح اعتبارها ثاني أضخم وأكبر الأكذوبات تأثيرًا في التاريخ بعد الأكذوبة الإبليسية؛ إنها الأكذوبة الأمريكية المسماة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي انتقل تأثيرها من الماضي القريب إلى الحاضر إلى المستقبل البعيد، بل وألقى بإسقاطاته على الماضي البعيد، وبذلك فهي جديرةٌ بدخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية باعتبارها أضخم كذبةٍ عرفها التاريخ، برقمها القياسي غير المتوقع كسره إلى قيام الساعة.

الغريب أن الكذب الذي يعتبر عمليةً شريرةً وخُلقًا وضيعًا وخطيئةً شائنةً بكاملها، يقابله التكذيب، الذي يكون أحيانًا في مواجهة الحقيقة أو تكذيبًا بالصدق، وبذلك فإنه يكون انحرافًا عن الصواب، ويكون شبيهًا بتصديق الكذب الذي يمثل انجرافًا مع الخطأ، وفي الحالتين فإنه يكون عمليةً هدميةً وخللاً تفكيريًّا وإزاحةً للعقل نحو الانحطاط والتسافل؛ أما عندما يكون التكذيب في مواجهة الكذب، أو تكذيبًا بالكذب- أي سالب السالب بالمنطق الرياضي- فإنه يصبح انحيازًا مع الحقيقة، ويكون شبيهًا بتصديق الصدق- أي موجب الموجب بالمنطق الرياضي- أو ثباتًا على الحقيقة، وفي الحالتين فإنه يكون عمليةً بنائيةً ورد فعلٍ عقليٍّ وتفكيري إيجابيٍّ وارتقاءًا بالعقل؛ ما يحدد الخيار التكذيبي هنا هو الموقف العقيدي والثقافي والفكري والمعرفي والأخلاقي والنفسي، فالبشر يكذّبون ما يخالف معتقداتهم ومعلوماتهم ومواقفهم وإيمانياتهم وعلاقاتهم أو يتصادم معها، وهذا التكذيب هو ما يدفعهم إلى التمسك بما يعتقدونه صدقًا وحقيقةً، وهو ما يحرك بالتالي عداواتهم وصداماتهم وصراعاتهم. 

إن معيار الاستدلال على الحقيقة أو الضلالة عنها يحسمه النجاح في اختيار الإيمان أو اختيار الكفر؛ لأن الإيمان يعني الاهتداء والاستمساك بالصدق وبالحقيقة الباهرة، فهو تصديقٌ بالحق المطلق، وهو في الوقت نفسه تكذيبٌ بالباطل على إطلاقه؛ وهكذا يصبح التصديق والتكذيب عمليةً مزدوجةً، لأن الكفر يعني الاستضلال والانخداع بالكذب وبأنصاف الحقائق وبالبهتان السافر، فهو تصديقٌ بالباطل، وهو في الوقت نفسه تكذيبٌ بالحق المطلق؛ ومن هنا فإن نهاية التاريخ البشري ستأتي في اتساقٍ تراتبيٍّ مدهشٍ ومذهلٍ، فكما دُشِّن التاريخ بالأكذوبة الإبليسية، فإنه سيُختتم بعصرٍ كاملٍ من الأكاذيب الإبليسية، وهذا ما يفسره خروج الأعور الدجال، الذي سيُتوج في آخر الزمان كآخر الكذابين، ومع أنه أعورٌ، أي لا يرى من الحقيقة إلا أجزاء منها، فإنه سيقود المبصرين إلى أحتافهم، ليكون أكثر الدجالين شرًّا وتخريبًا وتدميرًا وإفسادًا.

 

المشاهدات 1694   تقييم  اقرأ المشاركات

تعليقات الأعضاء

لا يوجد تعليقات حالياً على هذا المحتوى


لإضافة تعليق يجب تسجيل الدخول أولاً أو الإشتراك إذا كنت غير مشترك